يُعَدُّ علم أصول الفقه من أجلِّ العلوم الشرعية وأعظمها قدرًا؛ إذ هو العلم الذي يضع القواعد والمناهج التي يُتوصل بها إلى فهم نصوص الكتاب والسنة، واستنباط الأحكام الشرعية العملية منها استنباطًا صحيحًا منضبطًا. فهو الميزان الذي يضبط فهم الفقيه، والمنهج الذي يحكم طريقته في التعامل مع الأدلة، ويحفظه من الاضطراب والتناقض والخطأ في الاستدلال.
ولا يستغني عن هذا العلم طالب الفقه، ولا المفسر، ولا المحدِّث، ولا المفتي، ولا القاضي؛ لأن فهم الأدلة الشرعية لا يقوم على مجرد معرفة النصوص وحفظها، بل يحتاج إلى معرفة دلالاتها، ومراتبها، وطرق الجمع بينها، وقواعد الترجيح عند التعارض الظاهري، وشروط تنزيلها على الوقائع والحوادث.
وقد اعتنى علماء الإسلام بعلم أصول الفقه عناية عظيمة، فأصَّلوا قواعده، وحرروا مسائله، وبيَّنوا أهميته، وجعلوه من العلوم الأساسية التي لا يصح أن يتصدر للاجتهاد والفتوى من لم يكن راسخًا فيها.
ويشتمل هذا المقال على بيان تعريف علم أصول الفقه، وموضوعه، وأهميته، ونشأته، وفوائده، ومصادر استمداده، وحكم تعلمه، مع بيان معنى الحكم الشرعي وأقسامه وأركانه باعتباره من أهم مباحث هذا العلم.
يتكوَّن مصطلح «أصول الفقه» من كلمتين، هما: الأصول والفقه. ولا بد قبل تعريفه باعتباره علمًا مستقلًا من تعريف كل واحدة منهما على حدة.
الأصول جمع أصل، والأصل في اللغة هو ما يُبنى عليه غيره، سواء كان البناء حسيًّا أو معنويًّا.
فيقال: أصل الشجرة، أي الجزء الذي تقوم عليه وتتفرع منه أغصانها. ويقال: أساس البناء، أي ما يقوم عليه البناء ويستند إليه. ويقال كذلك: أصول المسألة، أي القواعد التي تُبنى عليها فروعها ونتائجها.
وعلى هذا، فالأصل هو القاعدة والأساس الذي يُبنى عليه غيره.
الفقه في اللغة هو الفهم، ولا سيما الفهم الدقيق المتعمق.
قال الله تعالى حكاية عن قوم شعيب عليه السلام:
﴿قَالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ﴾
[هود: 91]
أي: لا نفهم كثيرًا مما تقول.
وأما الفقه في اصطلاح العلماء فهو:
«العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسب من أدلتها التفصيلية».
فقولهم: «العلم» يخرج الجهل والشك والوهم.
وقولهم: «بالأحكام الشرعية» يخرج الأحكام العقلية والحسية والعادية؛ لأن الفقه يبحث في الأحكام التي مصدرها الشرع.
وقولهم: «العملية» يخرج مسائل الاعتقاد التي تتعلق بالإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، فإنها تُبحث في علم العقيدة وأصول الدين.
وقولهم: «المكتسب» يدل على أن هذا العلم يُحصل بالنظر والاجتهاد والاستدلال.
وقولهم: «من أدلتها التفصيلية» يعني أن كل حكم فقهي يُعرف من دليله الخاص، كمعرفة وجوب الصلاة من أدلة الصلاة، ووجوب الزكاة من أدلتها، وتحريم الربا من النصوص الواردة فيه.
وعلى هذا يكون معنى أصول الفقه باعتبار مفرديه:
الأسس والقواعد التي يُبنى عليها علم الفقه، والتي تُعرف بها كيفية استنباط الأحكام الشرعية من أدلتها.
أما أصول الفقه باعتباره اسمًا لعلم مستقل، فقد عرَّفه الأصوليون بتعريفات متقاربة، ومن أشهرها:
«العلم بالأدلة الإجمالية للفقه، وكيفية الاستفادة منها، وحال المستفيد».
ويقال أيضًا:
«العلم بالقواعد والأدلة الإجمالية التي يُتوصل بها إلى استنباط الأحكام الشرعية العملية من أدلتها التفصيلية، مع معرفة كيفية الاستفادة من هذه الأدلة وشروط المجتهد».
كما يمكن تعريفه بأنه:
«مجموعة القواعد الكلية التي يُتوصل بها إلى استنباط الأحكام الشرعية العملية من أدلتها التفصيلية».
وتدور هذه التعريفات كلها حول ثلاثة أركان رئيسة:
المقصود بالأدلة الإجمالية أنواع الأدلة الشرعية من حيث هي أدلة عامة، كالقرآن الكريم، والسنة النبوية، والإجماع، والقياس، وسائر الأدلة التي بحث العلماء في حجيتها وشروط العمل بها.
فالأصولي لا يبحث غالبًا في آية بعينها من أجل استخراج حكم فقهي معين، وإنما يبحث في القرآن من حيث حجيته، وفي السنة من حيث الاحتجاج بها، وفي الإجماع والقياس من حيث شروطهما ومراتبهما.
والمقصود بها معرفة الطرق والقواعد التي يُتوصل بها إلى فهم دلالة النصوص على الأحكام.
ومن ذلك دراسة الأمر والنهي، والعام والخاص، والمطلق والمقيد، والمجمل والمبين، والمنطوق والمفهوم، والحقيقة والمجاز، والناسخ والمنسوخ، والتعارض والترجيح.
فمعرفة أن صيغة الأمر تدل في الأصل على الوجوب، وأن النهي يدل في الأصل على التحريم، وأن العام قد يُخصَّص، والمطلق قد يُقيَّد، كل ذلك من كيفية الاستفادة من الأدلة.
والمستفيد هو المجتهد الذي ينظر في الأدلة ويستنبط منها الأحكام.
ولذلك يبحث علم أصول الفقه في شروط المجتهد، وما يجب أن يكون عليه من العلم بالكتاب والسنة، واللغة العربية، ومواضع الإجماع، والناسخ والمنسوخ، وطرق القياس، وقواعد الترجيح، حتى يكون اجتهاده قائمًا على العلم لا على الظن والهوى.
وهذا التعريف هو المشهور عند جمهور الأصوليين، ومنهم الإمام الآمدي، وابن قدامة، والإسنوي، وغيرهم من علماء الأصول.
سُمِّي هذا العلم بأصول الفقه؛ لأنه يشتمل على القواعد والأسس التي يُبنى عليها علم الفقه.
فالفقه هو معرفة الأحكام الشرعية العملية في مسائل الصلاة، والزكاة، والصيام، والحج، والبيع، والنكاح، والجنايات، وغيرها. وأما أصول الفقه فهو العلم الذي يبين الطريقة الصحيحة التي تُستخرج بها هذه الأحكام من الأدلة.
ولهذا سُمِّي الفقه بعلم الفروع؛ لأن مسائله تتفرع عن الأدلة والقواعد الأصولية، وسُمِّي علم الأصول بهذا الاسم؛ لأنه يمثل الأساس الذي تُبنى عليه تلك الفروع.
لعلم أصول الفقه منزلة عظيمة بين العلوم الشرعية، لأنه العلم الذي يضبط عملية الاجتهاد والاستنباط، ويمنع المتصدر للفتوى من القول على الله بغير علم.
وقد أحسن الإمام جمال الدين الإسنوي الشافعي المتوفى سنة 772هـ حين قال في مقدمة كتابه «نهاية السول شرح منهاج الوصول»:
«فإن أصول الفقه علم عظيم قدره، بيِّن شرفه وفخره، إذ هو قاعدة الأحكام الشرعية، وأساس الفتاوى الفرعية، التي بها صلاح المكلفين معاشًا ومعادًا».
فأصول الفقه هو قاعدة الأحكام؛ لأن الفقيه يعتمد عليه في معرفة الطريق الذي يصل به إلى الحكم الشرعي. وهو أساس الفتاوى؛ لأن الفتوى الصحيحة لا تقوم على مجرد الرأي أو الميل الشخصي، وإنما تقوم على أدلة وقواعد منضبطة.
الفقه وأصول الفقه وجهان لعملة واحدة، فلا يمكن أن يوجد فقه صحيح منضبط من غير أصول راسخة، كما أن القواعد الأصولية لا تظهر ثمرتها إلا في الفروع الفقهية.
والفرق بينهما إنما هو من جهة موضوع الدراسة وطريقة التدريس. فعلم الفقه يبحث في الأحكام العملية الجزئية، فيقول مثلًا: الصلاة واجبة، والربا محرم، والطهارة شرط لصحة الصلاة. أما علم أصول الفقه فيبحث في القواعد العامة التي عرفنا بها تلك الأحكام، كدلالة الأمر على الوجوب، ودلالة النهي على التحريم، ودلالة النص العام، وأثر الشرط والسبب والمانع.
ويمكن تشبيه علم أصول الفقه بعلم النحو؛ فكما أن النحو يضبط اللسان والقلم، ويحفظ المتكلم والكاتب من اللحن والخطأ، فإن أصول الفقه يضبط عقل الفقيه ومنهجه، ويحفظه من الخطأ في فهم النصوص، أو الانحراف في الاستدلال، أو سوء تنزيل الأحكام على الوقائع.
فهو الميزان الذي يزن به المجتهد الأدلة، ويرتب مراتبها، ويعرف ما يقدم منها وما يؤخر، وكيف يجمع بين النصوص، ومتى يلجأ إلى الترجيح.
تظهر أهمية الالتزام بقواعد الأصول عند النظر في اجتهادات العلماء. فقد يكون العالم واسع الحفظ، عارفًا بالنصوص والآثار، ومع ذلك يقع في أقوال شاذة إذا خالف بعض القواعد الأصولية المعتبرة.
وقد ذكر العلماء مثالًا لذلك في بعض مسائل الإمام أبي محمد ابن حزم الظاهري المتوفى سنة 456هـ في كتابه «المحلى». فقد كان ابن حزم واسع العلم بالكتاب والسنة وآثار الصحابة، قوي الحجة، كثير الاستدلال، إلا أن مخالفته لبعض أصول الاستدلال التي أخذ بها جمهور العلماء، ولا سيما ما يتعلق بالقياس وبعض دلالات النصوص، أوقعته في مسائل شذ فيها عن جمهور الفقهاء.
ولا يعني ذلك الانتقاص من قدره أو علمه، وإنما المقصود بيان أن كثرة النصوص وحدها لا تكفي، بل لا بد معها من منهج صحيح في فهمها والجمع بينها وتنزيلها.
أكد العلماء أن من أراد الاجتهاد أو الإفتاء لا بد أن يكون راسخًا في علم الأصول، ولذلك اشتهرت بينهم العبارة:
«من حُرم الأصول حُرم الوصول».
أي أن من لم يعرف القواعد والأصول التي تقود إلى الحكم الصحيح، حُرم الوصول إلى الفهم السليم والاستنباط المنضبط.
وجاء في كلام العلماء:
«أكثر ما يفسد الدنيا: نصف متكلم، ونصف متفقه، ونصف متطبب، ونصف نحوي؛ فهذا يفسد الأديان، وهذا يفسد البلدان، وهذا يفسد الأبدان، وهذا يفسد اللسان».
[مجموع الفتاوى: 5/119]
فمن أخذ شيئًا يسيرًا من العلم ثم تصدر قبل أن تكتمل آلته، كان ضرره عظيمًا؛ لأن نصف المتفقه قد يجرؤ على الفتوى من غير معرفة تامة بالنصوص والقواعد، فينسب إلى الشريعة ما ليس منها، أو يحرم ما أحل الله، أو يحل ما حرم الله.
وقال الإمام شهاب الدين القرافي المتوفى سنة 684هـ:
«لولا أصول الفقه لم يثبت من الشريعة قليل ولا كثير... وإنما يُذم القصد الصارف له إلى الباطل، وأصول الفقه وأصول الدين من الفروض المتعين إقامتها وضبطها».
[نفائس الأصول: 1/100]
ومعنى كلامه أن ثبوت الأحكام الشرعية وفهمها يتوقفان على معرفة دلالات النصوص ومراتب الأدلة، وهذه هي وظيفة علم أصول الفقه.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية المتوفى سنة 728هـ:
«لا بد أن يكون مع الإنسان أصول كلية تُرد إليها الجزئيات؛ ليتكلم بعلم وعدل، ثم يعرف الجزئيات كيف وقعت، وإلا بقي في جهل وظلم، فيتولد فساد عظيم».
[مجموع الفتاوى: 19/203]
وهذا من أدق ما قيل في بيان أهمية القواعد؛ لأن من تعامل مع كل مسألة منفردة دون أصول كلية يرجع إليها، اضطربت أحكامه، وناقض نفسه، وفرَّق بين المتماثلات، أو سوَّى بين المختلفات.
كانت قواعد أصول الفقه موجودة في عصر النبي ﷺ والصحابة رضي الله عنهم من حيث التطبيق العملي، وإن لم تكن مدونة في كتب مستقلة أو معروفة بمصطلحاتها المتأخرة.
فالصحابة كانوا عربًا فصحاء، يعرفون دلالات الكلام وأساليب اللغة، ويفهمون العام والخاص، والمطلق والمقيد، والأمر والنهي، ويجمعون بين النصوص بحسب ما تعلموه من رسول الله ﷺ.
وكانوا إذا نزلت بهم نازلة بحثوا عن حكمها في كتاب الله، فإن لم يجدوا ففي سنة رسول الله ﷺ، فإن لم يجدوا اجتهدوا وقاسوا الأشباه والنظائر بعضها على بعض.
ثم لما اتسعت الدولة الإسلامية، ودخل في الإسلام أقوام لا يتكلمون العربية على سليقتهم، وكثرت الوقائع والنوازل، وظهرت المدارس الفقهية، ووقع الاختلاف في طرق الاستدلال، ظهرت الحاجة إلى تدوين القواعد التي تضبط الاجتهاد.
يُعد الإمام محمد بن إدريس الشافعي رحمه الله أول من دوَّن علم أصول الفقه تدوينًا مستقلًّا ومنظمًا، وذلك في كتابه العظيم «الرسالة».
وقد وضع فيه اللبنات الأساسية لهذا العلم، فتحدث عن حجية القرآن والسنة، والبيان، والناسخ والمنسوخ، وخبر الواحد، والإجماع، والقياس، والاجتهاد، وغير ذلك من المسائل.
ولا يعني القول بأن الشافعي أول من دوَّن العلم أن القواعد الأصولية لم تكن معروفة قبله، فقد كان الأئمة والصحابة والتابعون يستعملونها في اجتهاداتهم، وإنما المراد أنه أول من جمع شتاتها، وصاغها في مؤلف مستقل، ورتبها على هيئة علم قائم بذاته.
ثم تتابع العلماء بعده في التأليف، فظهرت مدارس متعددة في التصنيف، وتوسعت مباحث العلم، ودخلت فيه مناقشات لغوية وفقهية وعقلية وكلامية، حتى صار من أغزر العلوم الشرعية مادةً وأكثرها دقةً.
موضوع كل علم هو الأمر الذي يبحث ذلك العلم في أحواله وعوارضه ومسائله.
ويُعبِّر العلماء عن ذلك بقولهم:
«موضوع كل علم ما يُبحث فيه عن عوارضه الذاتية».
أما مسائل العلم فهي الأحكام والقضايا التي تُبحث في ذلك الموضوع.
فموضوع علم الطب هو بدن الإنسان من حيث الصحة والمرض، ومسائله الأمراض وأسبابها وطرق علاجها.
وموضوع علم النحو هو الكلمات العربية من حيث الإعراب والبناء، ومسائله أحكام الرفع والنصب والجر والجزم وغير ذلك.
وموضوع علم الفرائض هو التركات من حيث قسمتها على مستحقيها، ومسائله أحكام أصحاب الفروض والعصبات والحجب.
اختلف الأصوليون في تحديد موضوع علم أصول الفقه على ثلاثة أقوال مشهورة.
ذهب جمهور الأصوليين إلى أن موضوع علم أصول الفقه هو الأدلة الشرعية الإجمالية من حيث دلالتها على الأحكام.
والمقصود بذلك أن الأصولي يبحث في القرآن من حيث حجيته ودلالاته، وفي السنة من حيث حجيتها وطرق ثبوتها، وفي الإجماع والقياس وسائر الأدلة من حيث اعتبارها وشروط العمل بها.
كما يبحث في كيفية دلالة الألفاظ على الأحكام، مثل العام والخاص، والمطلق والمقيد، والأمر والنهي، والمنطوق والمفهوم، والمجمل والمبين.
ذهب بعض العلماء إلى أن موضوع أصول الفقه هو الأحكام الشرعية من حيث ثبوتها بالأدلة.
فالأصولي يبحث في حقيقة الواجب والمندوب والمحرم والمكروه والمباح، وفي السبب والشرط والمانع والصحة والبطلان، وفي تعلق هذه الأحكام بأفعال المكلفين.
ذهب فريق من العلماء إلى أن موضوع أصول الفقه يشمل الأدلة الشرعية والأحكام الشرعية معًا.
وذلك لأن الأصولي يبحث في الأدلة من حيث دلالتها على الأحكام، كما يبحث في الأحكام من حيث ثبوتها بالأدلة وتعلقها بأفعال المكلفين.
الخلاف بين العلماء في هذه المسألة قريب من الخلاف اللفظي، وليس خلافًا حقيقيًّا يترتب عليه اختلاف كبير في مسائل العلم.
فالجميع متفقون على أن علم أصول الفقه يشتمل على البحث في الأدلة والأحكام، وإنما وقع الخلاف في أيهما يُجعل الموضوع الأصلي للعلم.
فمن جعل الأدلة هي الموضوع قال إن الأحكام ثمرة لها وتابعة لدلالتها.
ومن جعل الأحكام موضوعًا نظر إلى أنها المقصود النهائي من عملية الاستنباط.
ومن جمع بينهما نظر إلى شدة الارتباط بين الدليل والحكم، وأن العلم لا يستغني عن واحد منهما.
تدور مباحث علم أصول الفقه حول خمسة محاور كبرى.
المحور الأول هو الأدلة الشرعية، ويشمل القرآن والسنة والإجماع والقياس، والأدلة المختلف فيها، كالمصالح المرسلة، والاستحسان، والعرف، وقول الصحابي، وشرع من قبلنا، وسد الذرائع، مع بيان حجية كل دليل وشروط العمل به.
والمحور الثاني هو الأحكام الشرعية، ويشمل الحكم التكليفي والحكم الوضعي، والحاكم، والمحكوم عليه، والمحكوم فيه.
والمحور الثالث هو كيفية استنباط الأحكام من الأدلة، ويشمل دلالات الألفاظ، كالأمر والنهي، والعام والخاص، والمطلق والمقيد، والمجمل والمبين، والمنطوق والمفهوم.
والمحور الرابع هو التعارض والترجيح، وفيه يبحث العلماء في كيفية الجمع بين الأدلة التي يبدو في ظاهرها التعارض، وطرق الترجيح بينها عند تعذر الجمع، ومعرفة الناسخ والمنسوخ.
والمحور الخامس هو الاجتهاد والتقليد والإفتاء، وفيه تُبحث شروط المجتهد، وصفاته، ومراتب الاجتهاد، وأحكام التقليد، وآداب المفتي والمستفتي.
وخلاصة القول أن أشهر الأقوال أن موضوع علم أصول الفقه هو الأدلة الشرعية الإجمالية من حيث دلالتها على الأحكام، مع دخول الأحكام وطرق الاستنباط والاجتهاد ضمن مباحثه الأساسية.
الحكم الشرعي عند جمهور الأصوليين هو:
«خطاب الله تعالى المتعلق بأفعال المكلفين اقتضاءً، أو تخييرًا، أو وضعًا».
وهذا التعريف يجمع الحكم التكليفي والحكم الوضعي.
المقصود بخطاب الله ما دل عليه كلام الله تعالى في القرآن الكريم، وما ثبت عن رسول الله ﷺ في السنة النبوية؛ لأن السنة وحي من الله تعالى إلى رسوله.
قال الله تعالى:
﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾
[النجم: 3-4]
المقصود أن الحكم الشرعي يتعلق بأفعال الإنسان المكلَّف، كالصلاة، والصيام، والزكاة، والحج، والبيع، والنكاح، والطلاق، وسائر الأعمال.
والمكلَّف هو من توفرت فيه أهلية التكليف، وأهم شروطها العقل والبلوغ.
الاقتضاء هو الطلب، ويشمل طلب الفعل وطلب الترك.
فإن كان طلب الفعل جازمًا كان الحكم واجبًا، وإن كان غير جازم كان مندوبًا.
وإن كان طلب الترك جازمًا كان الحكم محرمًا، وإن كان غير جازم كان مكروهًا.
التخيير هو أن يجعل الشارع المكلف مخيرًا بين الفعل والترك، من غير مدح ولا ذم يتعلق بذات الفعل، وهذا هو المباح.
المقصود بالوضع أن يجعل الشارع شيئًا سببًا لحكم، أو شرطًا له، أو مانعًا منه، أو يحكم على الفعل بالصحة أو البطلان، أو يبين الرخصة والعزيمة.
للحكم الشرعي أربعة أركان رئيسة.
الحاكم هو الله سبحانه وتعالى، فهو وحده صاحب الحق المطلق في التشريع والتحليل والتحريم.
قال تعالى:
﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾
[يوسف: 40]
فالرسول ﷺ مبلغ عن الله، والعلماء يبينون أحكام الله، ولا يملك أحد أن يشرع من الدين ما لم يأذن به الله.
المحكوم فيه هو فعل المكلف الذي تعلق به خطاب الشارع، كالصلاة والصيام والبيع والنكاح والطلاق والقتل والسرقة.
المحكوم عليه هو الشخص الذي توجه إليه الحكم الشرعي، وهو المكلَّف الذي تتحقق فيه شروط التكليف.
ويشترط فيه أصلًا أن يكون عاقلًا بالغًا قادرًا على فهم الخطاب والامتثال له.
الحكم هو الأثر المستفاد من خطاب الشارع، كالإيجاب، والندب، والتحريم، والكراهة، والإباحة، أو ككون الشيء سببًا أو شرطًا أو مانعًا.
ينقسم الحكم الشرعي عند جمهور الأصوليين إلى قسمين رئيسيين: الحكم التكليفي والحكم الوضعي.
الحكم التكليفي هو:
«خطاب الله تعالى المتعلق بأفعال المكلفين طلبًا أو تخييرًا».
وينقسم إلى خمسة أقسام.
الواجب هو ما طلب الشارع فعله طلبًا جازمًا.
ويثاب فاعله إذا فعله امتثالًا لله تعالى، ويستحق العقاب تاركه إذا تركه من غير عذر.
ومن أمثلته الصلوات الخمس، وصيام رمضان، وأداء الزكاة على من وجبت عليه، وبر الوالدين.
المندوب هو ما طلب الشارع فعله طلبًا غير جازم.
ويثاب فاعله امتثالًا، ولا يعاقب تاركه.
ومن أمثلته صلاة الضحى، وقيام الليل، والصدقة المستحبة، وصيام أيام التطوع.
المحرم هو ما طلب الشارع تركه طلبًا جازمًا.
ويثاب تاركه إذا تركه امتثالًا لله، ويستحق العقاب فاعله.
ومن أمثلته الزنا، والربا، وشرب الخمر، وعقوق الوالدين، وأكل أموال الناس بالباطل.
المكروه هو ما طلب الشارع تركه طلبًا غير جازم.
ويثاب من تركه امتثالًا، ولا يستحق العقوبة من فعله من حيث الأصل.
ومن أمثلته الأفعال التي ورد فيها نهي غير جازم، أو دل الدليل على أن تركها أولى من فعلها من غير أن تبلغ درجة التحريم.
المباح هو ما خيَّر الشارع المكلف بين فعله وتركه.
فلا يثاب الإنسان على مجرد فعله، ولا يعاقب على تركه من حيث الأصل، لكنه قد يتحول بالنية إلى عبادة يؤجر عليها.
فالأكل مباح، لكنه إذا قصد به التقوي على العبادة كان مأجورًا. والنوم مباح، لكنه إذا نوى به إراحة بدنه ليقوم لصلاة الفجر أو طلب العلم، كان له أجر بنيته.
الحكم الوضعي هو:
«خطاب الله تعالى بجعل شيء سببًا لشيء، أو شرطًا له، أو مانعًا منه، أو بالحكم عليه بالصحة أو البطلان، أو بالرخصة أو العزيمة».
ومن أهم أقسامه ما يأتي.
السبب هو ما يلزم من وجوده وجود الحكم، ومن عدمه عدم الحكم لذاته.
ومن أمثلته دخول وقت الظهر، فإنه سبب لوجوب صلاة الظهر. وغروب الشمس سبب لوجوب صلاة المغرب. وبلوغ المال النصاب مع مرور الحول سبب لوجوب الزكاة في الأموال التي يشترط فيها الحول.
الشرط هو ما يلزم من عدمه عدم الحكم، ولا يلزم من وجوده وجود الحكم ولا عدمه لذاته.
فالطهارة شرط لصحة الصلاة، فإذا عُدمت الطهارة بطلت الصلاة، لكن وجود الطهارة لا يلزم منه وجود الصلاة؛ فقد يتوضأ الإنسان ولا يصلي في تلك اللحظة.
المانع هو ما يلزم من وجوده عدم الحكم، ولا يلزم من عدمه وجود الحكم.
ومن أمثلته القتل، فإنه مانع من الإرث، فمن قتل مورثه لا يرث منه. ووجود الحيض مانع من وجوب الصلاة على المرأة في مدة الحيض.
الصحة هي ترتب الآثار الشرعية المقصودة على الفعل.
فالصلاة الصحيحة تبرأ بها ذمة المكلف، والبيع الصحيح تنتقل به ملكية المبيع إلى المشتري والثمن إلى البائع، والزواج الصحيح تترتب عليه آثاره الشرعية.
البطلان هو عدم ترتب الآثار الشرعية المقصودة على الفعل بسبب اختلال ركن أو شرط من شروطه.
فالصلاة بغير وضوء باطلة، والبيع الذي اختل ركنه أو تضمن ما يفسده لا تترتب عليه آثاره الشرعية الصحيحة.
وقد يفرق بعض الفقهاء، ولا سيما الحنفية، بين الباطل والفاسد في بعض الأبواب، بينما يستعملهما جمهور العلماء بمعنى متقارب.
العزيمة هي الحكم الشرعي الثابت ابتداءً من غير عذر طارئ.
ومن أمثلتها وجوب صيام رمضان على المسلم المقيم القادر، ووجوب إتمام الصلاة على المقيم.
الرخصة هي الحكم الذي شُرع على خلاف الأصل لعذر، مع بقاء سبب الحكم الأصلي.
ومن أمثلتها إباحة الفطر للمسافر والمريض في رمضان، وقصر الصلاة الرباعية في السفر، والتيمم عند فقد الماء أو العجز عن استعماله.
وخلاصة ذلك أن الحكم الشرعي ينقسم إلى تكليفي ووضعي. فالحكم التكليفي أقسامه خمسة: الواجب، والمندوب، والمحرم، والمكروه، والمباح. وأما الحكم الوضعي فمن أشهر أقسامه: السبب، والشرط، والمانع، والصحة، والبطلان، والعزيمة، والرخصة.
لعلم أصول الفقه فوائد عظيمة وثمرات كثيرة، تظهر في فهم النصوص، واستنباط الأحكام، وحماية الشريعة، وتكوين الملكة العلمية.
يساعد علم أصول الفقه على فهم النصوص الشرعية فهمًا صحيحًا، وذلك من خلال معرفة العام والخاص، والمطلق والمقيد، والمجمل والمبين، والناسخ والمنسوخ، والأمر والنهي، والمنطوق والمفهوم.
فليس كل لفظ عام يبقى على عمومه، فقد يرد ما يخصصه، وليس كل مطلق يبقى على إطلاقه، فقد يوجد دليل يقيده. وقد يرد النص مجملًا ثم تأتي السنة فتبيِّنه وتفصِّله.
وبهذه القواعد يعرف طالب العلم ما تدل عليه الآيات والأحاديث، ويتجنب اقتطاع النصوص من سياقاتها أو فهمها فهمًا مخالفًا لمراد الشارع.
تُمكِّن القواعد الأصولية طالب العلم من معرفة الأحكام الشرعية وفهم الأدلة التي بُنيت عليها.
فلا يكون الحكم عنده مجرد قول منقول، بل يعرف أصل المسألة، ودليلها، ووجه الدلالة منها، وشروط تطبيقها.
الغاية الأساسية لعلم أصول الفقه هي التوصل إلى استنباط الأحكام الشرعية العملية من أدلتها التفصيلية.
فالمجتهد يستعمل قواعد الأصول للوصول إلى الحكم، وأما من لم يبلغ درجة الاجتهاد فإنه يستفيد من هذا العلم في فهم كيفية استنباط العلماء للأحكام، ومعرفة قوة أدلتهم ومناهجهم.
علم أصول الفقه من أهم العلوم التي يحتاج إليها المجتهد؛ لأنه يضع أمامه القواعد والضوابط التي يسير عليها عند النظر في الأدلة.
قال الإسنوي رحمه الله:
«إنه العمدة في الاجتهاد، وأهم ما يتوقف عليه من المواد».
فلا يمكن للمجتهد أن يستغني عن معرفة دلالات الألفاظ، ومراتب الأدلة، وطرق القياس، وشروط التعارض والترجيح.
يساعد علم الأصول على معرفة مقاصد الشريعة وعلل الأحكام والمصالح والمفاسد.
ومن خلاله يعرف طالب العلم مراتب الضروريات والحاجيات والتحسينيات، ويفقه كيفية ترتيب الواجبات والمستحبات، وتقديم المصلحة الراجحة، ودفع المفسدة الأشد.
وهذا يمنع من الفهم الجزئي الذي ينظر إلى نص واحد أو مصلحة واحدة ويغفل عن مجموع أحكام الشريعة ومقاصدها.
يسهم علم أصول الفقه في حماية أصول الاستدلال، وحفظ حجج الأحكام الشرعية، والرد على الشبهات، والتصدي لتحريف النصوص.
فمن عرف قواعد الاستدلال استطاع أن يرد على من ينكر حجية السنة، أو يحتج بالنصوص في غير مواضعها، أو يتلاعب بعمومات الشريعة ومقاصدها لتحقيق رغباته.
القواعد الأصولية تضبط فهم النصوص، وتحفظ الفقيه من الخطأ والاضطراب واتباع الهوى عند استخراج الأحكام.
فعلم أصول الفقه بالنسبة إلى استنباط الأحكام يشبه علم مصطلح الحديث بالنسبة إلى حفظ السنة وتمييز صحيحها من ضعيفها.
فكما لا يُقبل كل حديث من غير بحث في سنده ومتنه، لا يصح استنباط الأحكام من النصوص من غير معرفة بقواعد الدلالة والجمع والترجيح.
تظهر أهمية علم أصول الفقه في النوازل والحوادث الجديدة التي لم يرد فيها نص خاص باسمها أو صورتها المعاصرة.
فالمجتهد ينظر في حقيقتها، ويعرف علتها، ثم يلحقها بأصولها وقواعدها الشرعية عن طريق القياس أو المقاصد أو القواعد الفقهية والأصولية.
قال القفال الشاشي رحمه الله:
«إن الفروع لا تُدرك إلا بأصولها، وإن النتائج لا تُعرف حقائقها إلا بعد تحصيل العلم بمقدماتها».
وهذا من دلائل صلاحية الشريعة لكل زمان ومكان؛ لأنها وضعت قواعد عامة يمكن بها بيان حكم الوقائع المستجدة.
يستفيد طالب العلم من أصول الفقه في معرفة مناهج الأئمة، وأصول كل مذهب، وطرق الفقهاء في الاستدلال.
فيعرف لماذا أخذ إمام بحديث معين، ولماذا خصص عالم نصًّا عامًا، ولماذا قدَّم فقيه القياس في مسألة أو تركه لوجود نص أو إجماع.
وهذا يجعله يعمل بالحكم عن معرفة واطمئنان، ويبعده عن التقليد المتعصب وسوء الظن بالعلماء.
يعين علم أصول الفقه الداعية على عرض الأحكام الشرعية بأسلوب منظم، وعلى الاستدلال الصحيح وإقناع الناس بالحجة والبرهان.
فالداعية يحتاج إلى فهم النصوص ومعرفة مراتب الأحكام، حتى لا يجعل المستحب واجبًا، أو المكروه محرمًا، أو المسألة الاجتهادية قطعية لا خلاف فيها.
يشتمل علم أصول الفقه على مباحث دقيقة في اللغة العربية، مثل دلالات الألفاظ، والحقيقة والمجاز، والعموم والخصوص، والإطلاق والتقييد، ودلالة الأمر والنهي.
ولهذا يستفيد منه طالب اللغة والتفسير والحديث والفقه؛ لأن الوحي نزل بلسان عربي، ولا يمكن فهمه على وجه صحيح من غير معرفة بأساليب العرب.
من لم يضبط القواعد الأصولية قد يفرق بين المتماثلات، أو يسوي بين المختلفات، أو يصدر فتاوى متعارضة، أو يحكم في مسائل متشابهة بأحكام متناقضة.
أما علم الأصول فيمنح الفقيه منهجًا ثابتًا، ويجعله يرد الجزئيات إلى أصولها الكلية.
يضع علم أصول الفقه أمام المجتهد طريقًا منظمًا في التعامل مع الأدلة.
فيبدأ بالنظر في النصوص، ويتثبت من صحتها، ويفهم دلالاتها، ويجمع بين ما يظهر فيه التعارض، وينظر في الإجماع والقياس، ثم ينزل الحكم على الواقعة.
وبذلك لا تكون عملية الاستنباط عشوائية، ولا خاضعة للهوى أو الرأي المجرد.
يساعد علم الأصول على فهم أسباب اختلاف الفقهاء.
فقد يختلفون في ثبوت الدليل؛ فيصح الحديث عند عالم ولا يصح عند آخر.
وقد يتفقون على صحة النص ويختلفون في دلالته.
وقد يختلفون في حجية بعض الأدلة، أو في قواعد الجمع والترجيح، أو في دلالة العام والخاص والمطلق والمقيد.
ومعرفة هذه الأسباب تدعو إلى احترام العلماء، والتماس العذر لهم، والابتعاد عن التعصب والطعن وسوء الظن.
تكسب دراسة أصول الفقه الطالب قوة الفهم، ودقة النظر، وحسن الاستدلال، والقدرة على التحليل، وسلامة الحكم على المسائل.
كما تمنحه القدرة على التمييز بين الأدلة القوية والضعيفة، وبين الحجة الصحيحة والشبهة المزخرفة.
يفيد علم أصول الفقه في المقارنة بين المذاهب الفقهية، والأقوال والاجتهادات، وأحكام الشريعة والقوانين الوضعية.
فمن خلاله يمكن معرفة دليل كل قول، ووجه الاستدلال به، والموازنة بين الأدلة، وترجيح ما كان أقوى منها.
وخلاصة فوائد علم أصول الفقه أنه يضبط فهم النصوص، ويبين كيفية استنباط الأحكام، ويحفظ المجتهد من الخطأ والتناقض، ويساعد على معرفة مقاصد الشريعة، وأسباب اختلاف العلماء، وأحكام النوازل المستجدة.
الاستمداد هو العلوم والمصادر التي يستقي منها العلم مادته ومسائله.
ويستمد علم أصول الفقه مادته أساسًا من ثلاثة مصادر كبرى: القرآن الكريم والسنة النبوية، واللغة العربية، والأحكام الشرعية.
الكتاب والسنة هما أعظم مصادر علم أصول الفقه؛ لأن مباحث هذا العلم تدور حول الأدلة الشرعية وكيفية الاستدلال بها.
وجميع الأدلة الشرعية ترجع في حجيتها إلى القرآن والسنة، سواء كانت أدلة متفقًا عليها، كالإجماع والقياس، أو أدلة مختلفًا فيها، كالمصالح المرسلة، والاستحسان، والعرف، وقول الصحابي، وشرع من قبلنا.
كما أن قواعد دلالات الألفاظ، وطرق الجمع والترجيح بين الأدلة، وبيان مراتبها، تستند إلى نصوص الكتاب والسنة وتطبيقات الصحابة.
استدل الأصوليون على حجية خبر الواحد بقوله تعالى:
﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾
[التوبة: 122]
فالطائفة قد تكون عددًا قليلًا، وقد أمر الله بقبول إنذارها والعمل بما تنقله من العلم.
استدل العلماء على حجية الإجماع بقوله تعالى:
﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾
[النساء: 115]
فقد قرن الله بين مشاقة الرسول واتباع غير سبيل المؤمنين، مما يدل على وجوب اتباع سبيلهم إذا أجمعوا.
استدل الأصوليون على مشروعية الاعتبار والقياس بقوله تعالى:
﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾
[الحشر: 2]
فالاعتبار هو الانتقال من حكم الشيء إلى نظيره لاتحاد المعنى والعلة.
استدل العلماء بقول النبي ﷺ:
«لا ضرر ولا ضرار».
وهذه القاعدة من الأصول العظيمة التي ترجع إليها أحكام كثيرة في المعاملات والعبادات والقضاء والسياسة الشرعية.
وبذلك يكون القرآن والسنة أصلًا لجميع الأدلة والقواعد الأصولية.
المقصود باللغة العربية مجموع علوم اللسان العربي، ومنها مفردات اللغة، والنحو، والصرف، وعلم المعاني، وعلم البيان، وأساليب العرب في الكلام، واستعمالاتهم في الخطب والأشعار.
وقد نزل القرآن الكريم بلسان عربي، وجاءت السنة النبوية بلغة العرب، فلا يمكن فهم نصوص الوحي واستنباط الأحكام منها إلا بمعرفة أساليب اللغة العربية وطرق دلالتها.
قال الله تعالى:
﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾
[يوسف: 2]
ومن المباحث الأصولية المبنية على اللغة: العام والخاص، والمطلق والمقيد، والأمر والنهي، والمجمل والمبين، والحقيقة والمجاز، والمنطوق والمفهوم، والمشترك اللفظي، ودلالات صيغ الألفاظ.
والمرجع في فهم هذه الدلالات هو استعمال العرب، إلا إذا نقل الشارع اللفظ من معناه اللغوي إلى معنى شرعي خاص.
فلفظ الصلاة في اللغة يعني الدعاء، لكنه في الشرع يُطلق على العبادة المعروفة المفتتحة بالتكبير والمختتمة بالتسليم. ولفظ الزكاة في اللغة يدل على النماء والطهارة، وفي الشرع هو حق مخصوص في مال مخصوص لطائفة مخصوصة.
وعند وجود المعنى الشرعي والمعنى اللغوي يُقدم المعنى الشرعي في خطاب الشارع ما لم توجد قرينة تدل على إرادة المعنى اللغوي.
يستمد علم أصول الفقه بعض مادته من معرفة الأحكام الشرعية على سبيل الإجمال.
فالأصولي يحتاج إلى معرفة حقيقة الواجب، والمندوب، والمحرم، والمكروه، والمباح، والسبب، والشرط، والمانع، والصحة، والبطلان.
ولا يشترط في الأصولي من حيث هو أصولي أن يكون محيطًا بجميع الفروع الفقهية تفصيلًا، وإنما يحتاج إلى معرفة معاني الأحكام، والاستعانة بأمثلة فقهية توضح القواعد الأصولية.
فإذا قال الأصولي: الأمر يقتضي الوجوب، احتاج إلى معرفة معنى الأمر، ومعنى الوجوب، وإلى مثال فقهي يوضح تطبيق القاعدة.
قال إمام الحرمين الجويني رحمه الله:
«من موارد الأصول: الفقه؛ فإنه مدلول الأصول، ولا يتصور درك الدليل دون درك المدلول، ثم يكتفي الأصولي بأمثلة من الفقه يتمثل بها في كل باب من أصول الفقه».
ولا يشترط الإحاطة بجميع مسائل الفقه قبل دراسة الأصول؛ لأن أصول الفقه هو الطريق إلى استنباط الأحكام الفقهية، فلو اشترطنا معرفة جميع الفروع قبل معرفة الأصول للزم الدور.
ولهذا يكفي الأصولي معرفة الأحكام على سبيل الإجمال، وفهم أمثلة فقهية مناسبة لكل قاعدة.
اختلف العلماء في عدِّ علم الكلام من العلوم التي يستمد منها أصول الفقه.
ذهب بعض العلماء، ومنهم بعض الحنفية كابن الهمام، وبعض المالكية كالأبياري، إلى أن أصول الفقه لا يستمد من علم الكلام من حيث حقيقة مسائله.
واستدلوا على ذلك بعدة أمور.
أولها أن علم أصول الفقه وُجد قبل امتزاجه بعلم الكلام. فقد دوَّن الإمام الشافعي كتاب «الرسالة»، ولم يبن قواعد الأصول على المقدمات الفلسفية والكلامية.
وثانيها أن الأئمة المتقدمين، كالأئمة الأربعة وأمثالهم، قرروا قواعد الاستنباط واستعملوها، ولم يجعلوا المباحث الكلامية أصلًا لهذا العلم.
وثالثها أن مسائل أصول الفقه لا تتوقف في ذاتها على علم الكلام. فمعرفة الأمر والنهي، والعام والخاص، والقياس والإجماع، لا تحتاج بذاتها إلى الجدل الفلسفي والمقدمات الكلامية.
ورابعها أن وجود مباحث كلامية في بعض كتب الأصول لا يعني أنها جزء أصيل من هذا العلم، بل قد تكون دخيلة عليه بسبب مناهج بعض المؤلفين وتأثرهم بعلم الكلام.
ذهب كثير من الأصوليين إلى أن أصول الفقه يستمد من علم الكلام؛ لأن حجية الأدلة الشرعية تتوقف على إثبات وجود الله تعالى، وصفاته، وصدق الرسل، وثبوت النبوة بالمعجزات، وأن القرآن والسنة وحي من الله.
فإذا ثبت صدق الرسول ﷺ ثبتت حجية ما جاء به من الكتاب والسنة، ثم تثبت بقية الأدلة المتفرعة عنهما.
إلا أن هذه المسائل في حقيقتها من أصول الدين والعقيدة، وليست من المسائل الخاصة بعلم أصول الفقه.
والأقرب أن يقال: إن علم أصول الفقه لا يستمد في حقيقته من علم الكلام، وإن كان الأصولي يحتاج إلى التسليم بأصول الاعتقاد وثبوت الوحي والرسالة قبل بحث حجية الأدلة الشرعية. أما الجدل الكلامي والمقدمات الفلسفية فليست من صلب هذا العلم.
وخلاصة هذا الفصل أن علم أصول الفقه يستمد مادته أساسًا من القرآن والسنة، واللغة العربية، ومعرفة الأحكام الشرعية إجمالًا. أما المباحث الكلامية فليست من أصل هذا العلم، وإن وُجدت في بعض كتبه بسبب مناهج مؤلفيها.
نص جمهور الأصوليين على أن تعلم علم أصول الفقه فرض كفاية على الأمة، وليس فرض عين على جميع المسلمين.
تعلم أصول الفقه فرض كفاية، ومعنى فرض الكفاية أنه إذا قام به عدد كاف من المسلمين سقط الإثم عن بقية الأمة، وإذا تركه الجميع أثموا.
وممن نص على كونه فرض كفاية ابن عقيل، والنووي، وابن تيمية، وصفي الدين الهندي وغيرهم.
والدليل على ذلك أن الأمة تحتاج إلى معرفة حكم الله تعالى في الوقائع والنوازل، ولا يمكن الوصول إلى الأحكام الشرعية المنضبطة إلا بمعرفة قواعد الاستنباط.
وقد تقرر عند العلماء أن:
«ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب».
ومعرفة أحكام النوازل وإقامة الفتوى والقضاء من الواجبات التي تحتاج إليها الأمة، ولا تتم على الوجه الصحيح إلا بوجود علماء يعرفون أصول الفقه، فيكون تعلمه واجبًا على الكفاية.
لم تلزم الشريعة جميع المسلمين باستخراج الأحكام من أدلتها التفصيلية، بل أمرت من لا يعلم أن يسأل أهل العلم.
قال الله تعالى:
﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾
[النحل: 43]
فالعامي لا يجب عليه أن يعرف قواعد العام والخاص، والمطلق والمقيد، والقياس، والتعارض والترجيح، وإنما يجب عليه أن يتعلم ما تصح به عقيدته وعبادته ومعاملاته، وأن يسأل العلماء الثقات فيما يجهله.
كما أن مطالبة جميع المسلمين بالتفرغ لهذا العلم ومعرفة مصطلحاته وتقسيماته وأدلته فيها مشقة ظاهرة، والشريعة جاءت برفع الحرج، ولذلك كان وجوبه على الأمة وجوبًا كفائيًّا.
يصبح تعلم أصول الفقه فرض عين على من أراد أن يتولى الاجتهاد، أو استنباط الأحكام، أو الإفتاء، أو القضاء الشرعي فيما يحتاج إلى اجتهاد، أو المناظرة العلمية في المسائل الشرعية.
فمن تصدر لهذه المهام لا يستطيع القيام بها على الوجه الصحيح من غير معرفة قواعد الأصول.
ومن أراد استنباط الأحكام وجب عليه أن يعرف الأدلة الشرعية ومراتبها، وطرق دلالة الألفاظ، والعام والخاص، والمطلق والمقيد، والمجمل والمبين، والناسخ والمنسوخ، والقياس وشروطه، والتعارض والترجيح، وشروط الاجتهاد والفتوى.
والإقدام على الفتوى أو الاجتهاد من غير علم بهذه المسائل يؤدي إلى الخطأ والتناقض والقول على الله بغير علم.
قال الله تعالى:
﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾
[الإسراء: 36]
وقال سبحانه:
﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾
[الأعراف: 33]
وقد قرن الله القول عليه بغير علم بأعظم المحرمات، لما يترتب عليه من تحريف الدين وإضلال الناس.
الخلاف بين من قال إن تعلم أصول الفقه فرض كفاية، ومن قال إنه فرض عين، ليس خلافًا حقيقيًّا إذا حُمل كل قول على محله.
فمن قال إنه فرض كفاية قصد حكمه بالنسبة إلى عموم الأمة.
ومن قال إنه فرض عين قصد من تصدر للاجتهاد والإفتاء واستنباط الأحكام.
وعلى هذا فلا تعارض بين القولين؛ لأن الحكم يختلف باختلاف الأشخاص والأحوال.
يتبين مما سبق أن علم أصول الفقه ليس مجرد مصطلحات نظرية أو تقسيمات ذهنية، وإنما هو علم عملي عظيم الأثر في فهم الشريعة وحفظ أحكامها.
فهو العلم الذي يبين مصادر التشريع، ويحدد مراتب الأدلة، ويضبط دلالات النصوص، ويشرح طرق الجمع والترجيح، ويضع شروط الاجتهاد والإفتاء، ويحفظ الفقيه من التناقض والاضطراب.
كما أنه يساعد على فهم أسباب اختلاف العلماء، ومعرفة مناهج الأئمة، واستنباط أحكام النوازل، وإدراك مقاصد الشريعة ومصالحها.
ومن هنا كان تعلمه فرض كفاية على الأمة، وفرض عين على من أراد الاجتهاد أو الإفتاء أو القضاء في المسائل التي تحتاج إلى نظر واستنباط.
أما عامة المسلمين، فلا يجب عليهم التخصص فيه، وإنما يجب عليهم تعلم ما تصح به عقيدتهم وعباداتهم ومعاملاتهم، والرجوع إلى أهل العلم الموثوقين فيما يجهلونه.
ولهذا كان علم أصول الفقه من أشرف العلوم الشرعية وأهمها؛ لأنه ميزان الفقه، وأساس الفتوى، والطريق المنضبط إلى فهم كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، واستنباط الأحكام الشرعية منهما على علم وعدل وبصيرة.
فيا أيها الشباب المبارك، ويا طلاب العلم، اتقوا الله تعالى في أنفسكم، واعلموا أنَّ العلم دين، فانظروا عمَّن تأخذون دينكم، ....
أقرأ المزيد