الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد ﷺ. إنَّ التفقه في الدين من أعظم أسباب الخير، قال النبي ﷺ: «من يُرِدِ اللهُ به خيرًا يُفَقِّهْهُ في الدِّين» متفق عليه. فبالعلم يعرف العبد ربَّه، ويُميّز بين الحق والباطل، والسنة والبدعة. والعلم في الإسلام يسبق العمل، ولا يُقبل عملٌ إلا إذا كان مبنيًا على علمٍ صحيح. فاحرص على تعلّم دينك، واعبدِ الله على بصيرة، فإن العلم النافع طريقُ النجاة

المزيد
مواضيع مختارة

 

الحمد لله الواحد الأحد، الفرد الصمد، الذي لم يتخذ صاحبةً ولا ولدًا، ولم يكن له شريك في الملك، ولم يكن له وليٌّ من الذل، وكبِّره تكبيرًا. والصلاة والسلام على نبينا محمد، خاتم الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه وأزواجه، والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد:

فإن من أعظم ما يجب على المسلم أن يعتني به: المحافظة على توحيده، والاعتزاز بدينه، والتمسك بسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، والحذر من تقليد غير المسلمين في عقائدهم وشعائرهم وأعيادهم؛ فإن الأعياد من جملة الشرائع والمناهج الظاهرة التي تتميز بها الأمم بعضها عن بعض.

قال الله تعالى:

﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾
[آل عمران: 28].

وقد بيَّن الإمام الطبري رحمه الله في تفسير هذه الآية أن الله نهى المؤمنين عن اتخاذ الكافرين أعوانًا وأنصارًا من دون المؤمنين، أو مظاهرتهم على أهل الإيمان، وأن الاستثناء في قوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً﴾ متعلق بحال الخوف والإكراه، فيُظهر المسلم بلسانه ما يدفع به الضرر عن نفسه، مع بقاء قلبه مطمئنًا بالإيمان، من غير إعانة على الكفر أو الظلم والعدوان.

وقال تعالى:

﴿هَا أَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ﴾
[آل عمران: 119].

ومع اقتراب ما يُسمَّى بـ«عيد رأس السنة الميلادية»، ووقوع بعض المسلمين – هداهم الله – في التشبه بغير المسلمين، من خلال الاحتفال بهذا اليوم، أو تهنئة الناس به، أو حضور حفلاته، أو تعليق زينته، أو إظهار الفرح والسرور بمناسبته؛ كان من الواجب بيان الحكم الشرعي والتحذير من التساهل في هذا الباب.

الأعياد من جملة الشرائع

العيد ليس مجرد يوم عابر؛ بل هو مناسبة تتكرر في زمن مخصوص، وتجتمع فيها شعائر وعادات ومظاهر فرح وتعظيم. ولهذا كانت الأعياد من خصائص الأديان والأمم.

وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم قدم المدينة، ولأهلها يومان يلعبون فيهما، فقال:

«مَا هَذَانِ الْيَوْمَانِ؟».

قالوا: كنا نلعب فيهما في الجاهلية، فقال صلى الله عليه وسلم:

«إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَبْدَلَكُمْ بِهِمَا خَيْرًا مِنْهُمَا: يَوْمَ الْأَضْحَى وَيَوْمَ الْفِطْرِ».

رواه أبو داود والنسائي، وصححه جماعة من أهل العلم.

فدل الحديث على أن للمسلمين أعيادهم التي شرعها الله لهم، وأنهم لا يحتاجون إلى تقليد غيرهم في أعيادهم ومناسباتهم.

قال الله تعالى:

﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ﴾
[الحج: 67].

حكم الاحتفال برأس السنة الميلادية

لا يجوز للمسلم أن يتخذ رأس السنة الميلادية عيدًا، ولا أن يشارك في الاحتفالات المقامة من أجله؛ لأن ذلك داخل في التشبه بغير المسلمين في أعيادهم، ولأن المسلم مأمور بالمحافظة على هويته الدينية وعدم الذوبان في عادات الأمم المخالفة للإسلام.

قال النبي صلى الله عليه وسلم:

«مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ».

رواه أبو داود، وحسنه أو صححه جماعة من أهل الحديث، ومنهم الإمام محمد ناصر الدين الألباني رحمه الله.

وهذا الحديث وعيد شديد، يدل على خطورة تقليد غير المسلمين فيما يختصون به من الشعائر والعادات والأعياد.

من صور المشاركة المحرمة

تدخل في المشاركة في هذا العيد صور متعددة، منها:

  • حضور الحفلات التي تُقام تعظيمًا لرأس السنة.

  • تنظيم هذه الاحتفالات أو المساهمة في نفقاتها.

  • تعليق الزينة الخاصة بها في البيوت أو المحلات.

  • العد التنازلي عند منتصف الليل تعظيمًا لدخول السنة الجديدة.

  • إطلاق الألعاب النارية بقصد الاحتفال بهذه المناسبة.

  • تبادل الهدايا التي خُصصت لأجل هذا العيد.

  • إعداد الولائم والحلوى بقصد الاحتفال به.

  • نشر الصور والعبارات الداعية إلى تعظيم هذه المناسبة.

  • الإعجاب بمنشورات الاحتفال بها أو إعادة نشرها بقصد التأييد.

  • اصطحاب الأبناء إلى الاحتفالات المقامة من أجلها.

  • حضور الحفلات المشتملة على الخمور أو الموسيقى أو التبرج والاختلاط المحرم.

وتشتد الحرمة إذا اشتمل الاحتفال على شرب الخمر أو الفواحش أو تضييع الصلوات أو إزعاج الناس أو تبذير الأموال؛ فيجتمع حينئذ إثم التشبه مع إثم هذه المنكرات.

حكم التهنئة بهذه المناسبة

لا يجوز للمسلم أن يهنئ غيره بالشعائر الدينية أو بالأعياد المختصة بغير المسلمين؛ لأن التهنئة تتضمن إظهار الرضا بالمناسبة وتعظيمها ومشاركة أهلها في الفرح بها.

قال الإمام ابن القيم رحمه الله في أحكام أهل الذمة:

«وأما التهنئة بشعائر الكفر المختصة به فحرام بالاتفاق، مثل أن يهنئهم بأعيادهم وصومهم، فيقول: عيد مبارك عليك، أو تهنأ بهذا العيد ونحوه؛ فهذا إن سلم قائله من الكفر فهو من المحرمات، وهو بمنزلة أن يهنئه بسجوده للصليب، بل ذلك أعظم إثمًا عند الله، وأشد مقتًا من التهنئة بشرب الخمر، وقتل النفس، وارتكاب الفرج الحرام…».

وكثير من الناس يتساهلون فيقولون: «سنة سعيدة» أو «كل عام وأنتم بخير»، ويظنون أن الأمر لا يتجاوز المجاملة. ولكن المسلم مأمور بأن يزن أقواله بميزان الشرع، لا بميزان العادات والضغوط الاجتماعية.

والمجاملة لا تبيح ما حرمه الله، كما أن حسن التعامل لا يقتضي مشاركة الناس في أعيادهم وشعائرهم.

الهدايا المرتبطة بالاحتفال

إذا كانت الهدية تُقدَّم لأجل عيد رأس السنة وتعظيمًا له، فلا ينبغي للمسلم تقديمها؛ لأنها صورة من صور المشاركة والإعانة على الاحتفال.

وكذلك لا يجوز بيع ما يُستعمل في إقامة الشعائر المحرمة لمن عُلم أنه يشتريه لذلك؛ لأن الله تعالى يقول:

﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾
[المائدة: 2].

المشاركة بسبب العمل أو الدراسة

قد يُبتلى المسلم في مكان عمله أو دراسته بدعوته إلى احتفال بهذه المناسبة. والواجب عليهأن يبين أن دينه لا يسمح له بالمشاركة في الأعياد المخالفة لشريعته.

أما دعوى الخجل أو الخوف من كلام الزملاء، فليست عذرًا لإظهار الموافقة على ما حرمه الله. والمؤمن يقدم رضا ربه على رضا الناس، ويعتز بدينه من غير إساءة ولا فظاظة.

قال النبي صلى الله عليه وسلم:

«إِنَّمَا الطَّاعَةُ فِي الْمَعْرُوفِ».

متفق عليه.

فلا طاعة لمدير أو مسؤول أو قريب في معصية الله،

مسؤولية الآباء والأمهات

يجب على الآباء والأمهات أن يربوا أبناءهم على الاعتزاز بالإسلام، وأن يبينوا لهم أن للمسلمين عيدين شرعيين: عيد الفطر وعيد الأضحى.

ولا يجوز أن يزين الوالدان البيت لأجل رأس السنة، أو يشتريا للأولاد ما يرتبط بالاحتفال، أو يسمحا لهم بحضور الحفلات؛ فإن الطفل إذا نشأ على تعظيم هذه المناسبات تعلق قلبه بها، وربما صار يرى شعائر دينه أقل مكانة منها.

قال الله تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾
[التحريم: 6].

فتربية الأبناء أمانة، ومن أعظم التربية أن يعرف الطفل عقيدته، ويفتخر بدينه، ويميّز بين أعياد المسلمين وأعياد غيرهم.

لا تجعل ضغط المجتمع يضعف دينك

قد يقول بعض الناس: إن الجميع يحتفلون، وإن الامتناع يسبب الحرج، وإنها مجرد ليلة للفرح.

والجواب أن كثرة الفاعلين لا تجعل الحرام حلالًا، وأن المسلم عبد لله لا تابع للعادات المخالفة للشرع.

قال الله تعالى:

﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾
[الأنعام: 116].

والعاقل لا يبيع دينه من أجل لحظات عابرة، ولا يستبدل رضا الله بتصفيق الناس. فستنتهي الليلة، وتنطفئ الزينة، ويذهب المحتفلون، ويبقى ما كُتب في صحائف الأعمال.

دعوة إلى التوبة

من سبق له أن شارك في هذه الاحتفالات أو هنأ بها، فعليه أن يتوب إلى الله، وأن يندم على ما مضى، ويعزم على عدم العودة إليه.

وباب التوبة مفتوح، والله تعالى يقول:

﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾
[الزمر: 53].

فلا يحملنَّك الحياء من الناس على الاستمرار في الخطأ، ولا تقل: لقد اعتدت ذلك منذ سنوات؛ فإن الرجوع إلى الحق فضيلة، والتوبة تمحو ما قبلها.

خاتمة

يتبين مما تقدم من الأدلة أن المسلم مأمور بالاعتزاز بدينه والمحافظة على هويته الإسلامية، وأنه لا يجوز له أن يتخذ رأس السنة الميلادية عيدًا، أو يشارك في احتفالاتها، أو يهنئ بها، أو يعين على إقامتها، أو يظهر الفرح تعظيمًا لها.

وعليه أن يعلِّم أبناءه أن للمسلمين أعيادهم الشرعية،

فلنتق الله في أنفسنا وأهلينا، ولنحذر من الاستهانة بالمعاصي، فإن ما يراه الناس أمرًا يسيرًا قد يكون عند الله عظيمًا.

نسأل الله أن يعز الإسلام والمسلمين، وأن يثبتنا على التوحيد والسنة، وأن يحفظ أبناء المسلمين من الفتن، وأن يرزقنا العلم النافع والعمل الصالح، وأن يحيينا على الإسلام، ويتوفانا على الإيمان.

اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، وانصر عبادك الموحدين، واحفظ المسلمين من الفتن ما ظهر منها وما بطن.

وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

كتبه: الشيخ الدكتور أبو إسلام سليم بن علي حسان بليدي
حفظه الله تعالى