الحوثيون جماعة دينية سياسية مسلحة تُسمّي نفسها «أنصار الله»، نشأت في محافظة صعدة شمال اليمن، وتُنسب إلى مؤسسها حسين بدر الدين الحوثي، ثم انتقلت قيادتها إلى أخيه عبد الملك الحوثي. وقد بدأت الحركة في بيئة زيدية جارودية، ثم ازداد تأثرها بالفكر الرافضي الاثني عشري وبالثورة الخمينية، وارتبط مشروعها السياسي والعسكري بإيران وحزب الله ارتباطًا ظاهرًا.لكنهم اقتربوا في خطابهم وممارساتهم من الإمامية الاثني عشرية، ولا سيما في الغلو في الأئمة والسلالة، وتعظيم فكرة الولاية، واستلهام النموذج الإيراني، وإقامة الاحتفالات والشعائر الدخيلة على المجتمع اليمني، مع نشر ثقافة التعبئة الطائفية وتعظيم قادة الجماعة.
الانحراف العقدي والفكري
يقوم المشروع الحوثي على تقديس ما يسمونه «أعلام الهدى»، وربط أحقية القيادة بالسلالة، ومنح قائد الجماعة منزلة دينية وسياسية تجعل الاعتراض عليه اعتراضًا على الدين في نظر أتباعه. وهذا مخالف لما عليه أهل السنة والجماعة من أن التفاضل يكون بالتقوى والعمل الصالح، لا بالأنساب والدعاوى.
وقد عمل الحوثيون على تغيير هوية المجتمع اليمني، والسيطرة على المساجد والمنابر والمدارس، وإدخال أفكار الجماعة في المناهج والخطب والدورات الثقافية. كما اتخذوا شعارًا مشتملًا على الدعاء بالموت واللعن على جماعات بأكملها، وحوّلوه إلى وسيلة لغرس العداوة وتعبئة الأطفال والشباب للقتال.
وما يشتمل عليه خطابهم من الغلو، وتعظيم الأشخاص، والادعاءات الباطلة في الولاية والاصطفاء، والطعن في أصحاب النبي ﷺ، وبغض أهل السنة ومحاربة علمائهم؛ كله من الضلال والانحراف المخالف للكتاب والسنة ومنهج السلف الصالح.
الحوثيون وسفك دماء المسلمين
لم يكتف الحوثيون بنشر فكرهم، بل حملوا السلاح، واستولوا على صنعاء ومؤسسات الدولة، وفرضوا سلطتهم بالقوة. فقتلوا وخطفوا وسجنوا وهجّروا، وفجّروا المساجد والمنازل، وزرعوا الألغام، وجنّدوا الأطفال، وحاصروا المدن، واعتدوا على العلماء والدعاة والصحفيين وكل من خالف مشروعهم.
إن قتل المسلمين وترويع الآمنين وأخذ أموال الناس بالقوة من أعظم الجرائم، قال الله تعالى:
﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾
[النساء: 93].
وقد حوّل الحوثيون مناطق سيطرتهم إلى سلطة قمعية، ففرضوا الجبايات والإتاوات، واستولوا على أموال الناس وممتلكاتهم، وسخّروا موارد اليمن لإدامة الحرب وخدمة مشروع الجماعة، بينما يعيش كثير من اليمنيين في الفقر والجوع والخوف.
الارتباط بإيران والمشروع الرافضي
العلاقة بين الحوثيين وإيران ليست مجرد تشابه في الشعارات؛ فقد تلقّت الجماعة دعمًا سياسيًا وإعلاميًا وعسكريًا، واستفادت من الخبرات المتعلقة بالصواريخ والطائرات المسيّرة والتدريب والتعبئة العقائدية. ومع مرور الوقت تحول الحوثيون إلى أداة مهمة للمشروع الإيراني في المنطقة، وإن كانت لهم كذلك مصالحهم المحلية الخاصة.
لقد أدخلت الجماعة اليمن في صراع إقليمي خطير، وجعلت أراضيه منطلقًا للصواريخ والطائرات المسيّرة، وعرّضت أهله للحروب والدمار. أصبحت سببًا في تمزيقه وإضعافه وربط قراره بقوة أجنبية ذات مشروع مذهبي وسياسي معروف.
تهديد بلاد الحرمين والمقدسات
لم يقف خطر الحوثيين عند حدود اليمن، بل أطلقوا الصواريخ والطائرات المسيّرة باتجاه مدن المملكة العربية السعودية ومطاراتها ومنشآتها المدنية والاقتصادية، مع ما يترتب على ذلك من تعريض أرواح المسلمين والمقيمين للخطر.
وأعلنت السلطات السعودية في وقائع متعددة اعتراض صواريخ أو طائرات مسيّرة قادمة من مناطق الحوثيين باتجاه منطقة مكة. وفي المقابل، أنكر الحوثيون تعمد استهداف مكة، وزعموا أن أهدافهم كانت عسكرية أو اقتصادية. وفي سبتمبر 2026 أعلنت السعودية اعتراض طائرة مسيّرة حوثية جنوب مكة قبل دخولها المجال المحظور حول المدينة،
لكن إطلاق الأسلحة بعيدة المدى نحو مناطق قريبة من مكة، مهما كانت دعاوى مطلقيها، استهانة خطيرة بحرمة البلد الحرام وتعريض للمسلمين والمقدسات للخطر. قال الله تعالى:
﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾
الحج: 25.
بين الشعارات وحقيقة الأفعال
يرفع الحوثيون شعارات نصرة الإسلام والمستضعفين، لكن الشعارات لا تصحح العقائد المنحرفة ولا تمحو دماء المسلمين ولا تبرر الاستيلاء على الدول بقوة السلاح. والعبرة في الشريعة بالحقائق والأعمال، لا بالخطب والشعارات.
فمن يدّعي نصرة الأمة ثم يقتل أبناءها، ويهدم ديارها، ويجنّد أطفالها، وينهب أموالها، ويعطل مساجدها، ويخضع قرار بلادها لمشروع أجنبي؛ فقد ناقض دعواه بأفعاله.
خاتمة
إن الحوثيين جماعة منحرفة في فكرها ومنهجها، باغية في سلوكها المسلح، أفسدت في اليمن، وسفكت الدماء، وشرّدت الأسر، واستولت على الدولة، ونشرت الغلو والطائفية، وعرّضت أمن بلاد الحرمين والملاحة الدولية للخطر.
والواجب على المسلمين بيان حقيقتهم، والتحذير من عقيدتهم ومشروعهم، ونصرة أهل اليمن المظلومين، والرد على دعايتهم. كما يجب على من انخدع بهم أن يتوب إلى الله، ويرجع إلى الكتاب والسنة وفهم الصحابة والسلف الصالح، وألا يجعل الشعارات السياسية ستارًا للظلم والغلو وسفك الدماء.
قال الله تعالى:
﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ﴾
هود: 113.
كتبه: الشيخ الدكتور أبو إسلام سليم بن علي حسان بليدي
حفظه الله تعالى