الحمد لله الذي فرض الصلاة على عباده، وجعلها عمود الإسلام، وعلامة الإيمان، والصلاة والسلام على نبينا محمد، الذي بلَّغ الرسالة وأدَّى الأمانة، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
فإن الصلاة أعظم أركان الإسلام العملية بعد الشهادتين، وهي أول ما يحاسب عليه العبد من عمله يوم القيامة. وقد عظَّم الله شأنها، وفرضها على نبيه ﷺ من فوق سبع سماوات ليلة الإسراء والمعراج.
وليست الصلاة عبادة ثانوية يجوز للمسلم أن يتهاون بها، وإنما هي الحد الفاصل بين الإسلام والكفر، وعلامة الإيمان، وسبب الفلاح والنجاة في الدنيا والآخرة.
الصلاة هي الركن الثاني من أركان الإسلام، كما قال النبي ﷺ:
«بُنِيَ الإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالْحَجِّ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ»
متفق عليه.
وقال الله تعالى:
﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾
[البقرة: 238].
وقال سبحانه:
﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾
[البقرة: 43].
فإقامة الصلاة تشمل أداءها في أوقاتها، مع شروطها وأركانها وواجباتها، والمحافظة على خشوعها، وإقامتها جماعة بالنسبة إلى الرجال القادرين.
يقف المسلم في صلاته بين يدي الله، فيناجي ربه، ويقرأ كلامه، ويركع ويسجد له، ويظهر فقره وعبوديته وخضوعه.
قال النبي ﷺ:
«أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ، فَأَكْثِرُوا الدُّعَاءَ»
رواه مسلم.
وكان النبي ﷺ يجد راحته وطمأنينته في الصلاة، ويقول:
«يَا بِلَالُ، أَقِمِ الصَّلَاةَ، أَرِحْنَا بِهَا»
رواه أبو داود.
فالمؤمن لا ينظر إلى الصلاة على أنها حمل ثقيل، بل يراها راحة لقلبه، ونورًا في حياته، وسكينة لنفسه، وعونًا له على مصاعب الدنيا.
قال الله تعالى:
﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾
[العنكبوت: 45].
فالصلاة الصحيحة التي يؤديها المسلم بإخلاص وخشوع تؤثر في أخلاقه وسلوكه، وتردعه عن المعاصي والمنكرات، وتذكره بالله كلما همَّ بذنب.
أما من يصلي ثم يقع في المعاصي، فعليه أن يتوب إلى الله ويحسن صلاته، ولا يجوز له أن يتركها؛ فإن الصلاة من أعظم ما يعينه على التوبة والاستقامة.
فرض الله الصلاة في أوقات محددة، فلا يجوز إخراجها عن وقتها من غير عذر شرعي.
قال سبحانه:
﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾
[النساء: 103].
وقال تعالى:
﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾
[مريم: 59-60].
ويدخل في إضاعة الصلاة تأخيرها عن وقتها والتهاون بأركانها وواجباتها، وأشد من ذلك تركها بالكلية.
من جحد وجوب الصلوات الخمس، وهو يعلم أن الله فرضها، فقد كفر كفرًا أكبر بإجماع أهل العلم؛ لأنه كذب الله ورسوله وأنكر أمرًا معلومًا من الدين بالضرورة.
ومن ترك الصلاة بالكلية تهاونًا وكسلًا، مع إقراره بوجوبها، فإنه يكفر كفرًا أكبر مخرجًا من ملة الإسلام، على القول الراجح الذي تدل عليه نصوص الكتاب والسنة وآثار الصحابة رضي الله عنهم.
فالكفر في النصوص عُلِّق على ترك الصلاة، ولم يُعلَّق على جحود وجوبها فقط.
أما من يصلي أحيانًا ويترك أحيانًا، فهو على خطر عظيم، ومرتكب لكبيرة من أعظم الكبائر، والواجب عليه أن يتوب إلى الله ويحافظ على جميع الصلوات في أوقاتها.
قال رسول الله ﷺ:
«بَيْنَ الرَّجُلِ وَبَيْنَ الشِّرْكِ وَالْكُفْرِ تَرْكُ الصَّلَاةِ»
رواه مسلم.
فجعل النبي ﷺ ترك الصلاة حدًّا فاصلًا بين الإسلام والكفر.
قال النبي ﷺ:
«الْعَهْدُ الَّذِي بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمُ الصَّلَاةُ، فَمَنْ تَرَكَهَا فَقَدْ كَفَرَ»
رواه أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجه، وهو حديث صحيح.
فالصلاة هي العهد الفاصل بين المسلمين والكافرين، ومن تركها فقد قطع هذا العهد.
قال الله تعالى:
﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾
[التوبة: 11].
فعلَّق الله ثبوت الأخوة الدينية على التوبة من الشرك وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة.
قال تعالى عن أهل النار:
﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾
[المدثر: 42-46].
فكان ترك الصلاة من أعظم أسباب دخولهم سقر.
قال عبد الله بن شقيق العقيلي رحمه الله:
«كان أصحاب محمد ﷺ لا يرون شيئًا من الأعمال تركه كفر غير الصلاة»
رواه الترمذي.
وهذا يدل على أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يميزون الصلاة عن سائر الأعمال، ويرون أن تركها كفر.
من ترك الصلاة بالكلية ومات مصرًّا على تركها، فإنه لا يُعامل معاملة المسلمين في أحكام الآخرة والجنازة، فلا يُغسَّل، ولا يُكفَّن تكفين المسلمين، ولا يُصلَّى عليه، ولا يُدفن في مقابر المسلمين، ولا يرث المسلمين ولا يرثونه.
كما لا يجوز للمسلمة أن تبقى في عصمة رجل لا يصلي؛ لأن الله تعالى قال:
﴿لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾
[الممتحنة: 10].
وهذه الأحكام تدل على خطورة ترك الصلاة، وأن المسألة ليست مجرد ذنب يسير أو تقصير عابر، بل هي مسألة تتعلق بأصل الإسلام.
لا تسقط الصلاة عن المسلم ما دام عقله حاضرًا؛ فالمريض يصلي حسب استطاعته: قائمًا، فإن لم يستطع فقاعدًا، فإن لم يستطع فعلى جنبه.
قال النبي ﷺ لعمران بن حصين رضي الله عنه:
«صَلِّ قَائِمًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ»
رواه البخاري.
ويصلي المسافر، والمريض، والخائف، وكل واحد بحسب حاله. وهذا يدل على أن الصلاة لا يجوز تركها بحال ما دام العقل ثابتًا.
ولا يجوز ترك الصلاة بسبب العمل، أو الدراسة، أو التجارة، أو المرض، أو الانشغال بالهاتف والأسواق والمناسبات.
قد يقول تارك الصلاة: سوف أصلي عندما أكبر، أو عندما تستقيم ظروفي، أو بعد انتهاء مشكلاتي. وهذا من خداع الشيطان؛ لأن الإنسان لا يدري متى يأتيه الموت.
قال الله تعالى:
﴿وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا﴾
[المنافقون: 11].
فمن كان تاركًا للصلاة فليبادر الآن إلى الوضوء والصلاة والتوبة، ولا ينتظر غدًا؛ فقد يكون هذا اليوم آخر أيامه.
على شدة الوعيد الوارد في ترك الصلاة، فإن رحمة الله واسعة، وباب التوبة مفتوح لمن رجع إلى الله قبل موته.
قال سبحانه:
﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾
[الزمر: 53].
فمن تاب توبة صادقة، وحافظ على الصلاة، وندم على ما مضى، وعزم على ألا يعود، تاب الله عليه.
من أهم الأسباب المعينة على المحافظة عليها:
معرفة منزلتها وخطر تركها.
أداء الصلاة في أول وقتها.
مصاحبة أهل الصلاة والاستقامة.
الذهاب إلى المسجد عند سماع الأذان.
النوم مبكرًا للاستيقاظ لصلاة الفجر.
الابتعاد عن الذنوب التي تقسي القلب.
الإكثار من الدعاء وسؤال الله الثبات.
تعليم الأبناء الصلاة منذ الصغر.
تذكير الأهل بها برفق وحكمة.
قال الله تعالى:
﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾
[طه: 132].
الصلاة ليست مسألة هامشية، بل هي عمود الإسلام، وعلامة الإيمان، والعهد الفاصل بين المسلم والكافر. وتركها بالكلية من أعظم الجرائم، وتدل نصوص الكتاب والسنة وآثار الصحابة على أنه كفر أكبر مخرج من الإسلام، ولو كان الترك تهاونًا وكسلًا.
فيا من تركت الصلاة، تب إلى الله قبل أن يأتيك الموت، ولا تغتر بصحتك وشبابك، ولا تقل: سأصلي غدًا. قم الآن فتوضأ وصلِّ، وافتح صفحة جديدة مع الله؛ فإن الله يقبل توبة من رجع إليه.
اللهم اجعلنا من المحافظين على الصلاة، الخاشعين فيها، وأعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، وثبت قلوبنا على دينك حتى نلقاك.
كتبه: الشيخ الدكتور أبو إسلام سليم بن علي حسان بليدي
حفظه الله تعالى