الحمد لله الذي شرع لعباده من الأحكام ما تتحقق به مصالحهم، وتُحفظ به حقوقهم، وتنتظم به شؤونهم، وقسَّم المواريث بعلمه وحكمته وعدله، والصلاة والسلام على نبينا محمد، الذي بلَّغ الرسالة وأدَّى الأمانة، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
فإنَّ علم الفرائض من أجلِّ علوم الشريعة وأدقِّها، لتعلقه بحقوق العباد وأموالهم وأنسابهم، ولأن الله تعالى تولى بيان أصول المواريث وأنصبتها في كتابه الكريم، ولم يترك تقسيم التركة إلى أهواء الناس أو أعرافهم وعاداتهم.
وقد اعتنى الصحابة والتابعون وأئمة الإسلام بهذا العلم، وتعلموه وعلَّموه؛ لما يترتب على الجهل به من أكل الأموال بالباطل، وقطع الأرحام، ووقوع الظلم والخصومة بين الورثة.
علم الفرائض هو العلم بالقواعد والأحكام الشرعية التي يُعرف بها من يرث ومن لا يرث، ومقدار نصيب كل وارث من تركة الميت.
وسُمِّي علم الفرائض بهذا الاسم لأن الله تعالى فرض أنصبة الورثة وقدَّرها تقديرًا محكمًا لا يجوز لأحد تغييره.
قال الله تعالى:
﴿فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾
[النساء: 11].
فالميراث فريضة من الله، وقسمته قائمة على علمه المحيط وحكمته البالغة، وليست مبنية على العاطفة المجردة أو العادات الاجتماعية.
بيَّن الله تعالى أحكام المواريث بيانًا تفصيليًا في سورة النساء، فذكر نصيب الأبناء والبنات، والوالدين، والزوجين، والإخوة والأخوات، وبيَّن بعض أحكام الكلالة.
قال تعالى:
﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾
[النساء: 11].
وقال سبحانه:
﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ﴾
[النساء: 12].
وختم الله آيات المواريث بقوله:
﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾
[النساء: 13-14].
وفي هذا تحذير شديد من تغيير قسمة الله، أو منع أحد الورثة من حقه، أو التحايل لإسقاط نصيبه.
تقسيم التركة وفق أحكام الميراث عبادة وطاعة لله تعالى، وليس مجرد إجراء مالي أو عائلي. فالمؤمن يرضى بحكم الله ويوقن أن قسمة الله أعدل من قسمة البشر.
قال تعالى:
﴿آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ﴾
[النساء: 11].
يحفظ علم الفرائض لكل وارث نصيبه الشرعي، ويمنع الأقوياء من الاستيلاء على حقوق الضعفاء، ويحمي أموال النساء والصغار والأيتام.
قال الله تعالى:
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾
[النساء: 10].
كثير من النزاعات العائلية تبدأ بعد وفاة الأب أو الأم بسبب الأموال والعقارات. فإذا قُسمت التركة سريعًا وبالعدل، وعرف كل وارث حقه، قَلَّت أسباب الخصومة وحُفظت صلة الرحم.
أما تأخير القسمة سنوات طويلة، أو استئثار بعض الورثة بالعقار والأموال، فإنه يؤدي غالبًا إلى الشحناء وقطيعة الأرحام ورفع القضايا أمام المحاكم.
من أعظم مظاهر الجاهلية منع النساء من الميراث، بحجة أن المال ينبغي أن يبقى في العائلة، أو أن المرأة متزوجة ولها من ينفق عليها.
وقد أبطل الإسلام هذا الظلم، وجعل للمرأة نصيبًا مفروضًا.
قال تعالى:
﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾
[النساء: 7].
فمن منع امرأة من نصيبها، سواء كانت أمًّا أو زوجة أو بنتًا أو أختًا، فقد ظلمها وأكل مالها بغير حق.
يقوم نظام الميراث الإسلامي على العدل، ومراعاة درجة القرابة، وموقع الوارث من الأسرة، ومسؤوليته المالية، وحاجته.
وليست قاعدة الميراث أن الذكر يأخذ دائمًا ضعف الأنثى؛ فقد ترث المرأة مثل الرجل في بعض المسائل، وقد ترث أكثر منه، وقد ترث المرأة ولا يرث الرجل المقابل لها، بحسب القرابة والجهة والدرجة والأحكام الشرعية.
أما قوله تعالى:
﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾
فهو متعلق بحالات معينة، ومنها اجتماع الابن مع البنت، وليس قاعدة مطردة في جميع مسائل الميراث.
لا تُقسَّم أموال الميت على الورثة فور وفاته قبل معرفة الحقوق المتعلقة بالتركة، وإنما تُرتب على الوجه الآتي:
مؤونة تجهيز الميت بالمعروف.
سداد ديونه الثابتة.
تنفيذ وصيته الشرعية في حدود الثلث لغير وارث.
تقسيم ما بقي بين الورثة بحسب أنصبتهم الشرعية.
قال النبي ﷺ:
«أَلْحِقُوا الْفَرَائِضَ بِأَهْلِهَا، فَمَا بَقِيَ فَلِأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ»
متفق عليه.
ولا تجوز الوصية لوارث إلا إذا رضي بقية الورثة البالغون الرشداء بعد وفاة المورث؛ لقول النبي ﷺ:
«إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَعْطَى كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ، فَلَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ».
يشتمل علم الفرائض على جملة من الأبواب، منها:
أسباب الإرث.
شروط الإرث.
موانع الإرث.
أصحاب الفروض المقدرة.
العصبات.
الحجب وأنواعه.
العَول والرَّد.
ميراث الجد مع الإخوة.
المناسخات.
ميراث الحمل والمفقود والخنثى.
قسمة التركات.
تصحيح المسائل وأصولها.
ولهذا لا يجوز أن يتولى تقسيم التركات من لا يعرف هذه الأحكام؛ لأن الخطأ فيها قد يؤدي إلى إعطاء المال لغير مستحقه، أو منع وارث من حقه.
من الأخطاء المنتشرة:
حرمان البنات من العقارات والأراضي.
إعطاء الذكور التركة كاملة بحجة المحافظة على مال الأسرة.
إجبار المرأة على التنازل عن نصيبها.
تأخير تقسيم التركة سنوات طويلة.
استيلاء أحد الأبناء على أموال والديه بعد وفاتهما.
تقسيم التركة قبل سداد الديون.
تنفيذ وصية لوارث دون رضا بقية الورثة.
إخفاء بعض الممتلكات والأموال عن بقية الورثة.
تقسيم التركة بحسب العادات دون الرجوع إلى الشرع.
الانتفاع بعقار التركة دون دفع حقوق بقية الورثة أو استئذانهم.
والتنازل الصحيح لا يكون إلا من وارث بالغ رشيد، بعد معرفته بنصيبه، وبرضاه التام، من غير ضغط ولا تهديد ولا حياء قاهر.
من أخذ شيئًا من التركة فوق نصيبه فقد أكل مالًا حرامًا، ولا يبيحه طول الزمن ولا سكوت بعض الورثة حياءً أو خوفًا.
قال الله تعالى:
﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾
[البقرة: 188].
وقال النبي ﷺ:
«لَا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلَّا بِطِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ».
وعلى من ظلم وارثًا أن يتوب إلى الله، ويرد المال إلى صاحبه، ويطلب منه المسامحة؛ لأن حقوق العباد لا تسقط بمجرد الندم والاستغفار.
مسائل المواريث قد تتشابه في ظاهرها، ويختلف الحكم فيها بتغير وارث واحد، أو بوجود دين أو وصية أو حمل أو مفقود أو وارث محجوب.
لذلك ينبغي عرض كل تركة على عالم متمكن في علم الفرائض، مع تقديم قائمة كاملة بالورثة والأموال والديون والوصايا. كما ينبغي توثيق القسمة رسميًا بما يحفظ الحقوق، ولا سيما العقارات والحسابات المالية.
ولا يكفي الاعتماد على برنامج إلكتروني أو مسألة مشابهة؛ لأن صحة النتيجة تتوقف على صحة المعلومات ومعرفة الورثة المستحقين وموانع الإرث.
علم الفرائض علم عظيم يجمع بين التعبد لله، وحفظ الأموال، وصيانة الحقوق، وتحقيق العدل بين الورثة. وقد تولى الله تعالى بيان أحكامه؛ فلا يجوز تغييرها بالعادات أو الأهواء أو المجاملات.
فالواجب على المسلمين أن يتعلموا ما يحتاجون إليه من أحكامه، وأن يبادروا إلى قسمة التركات بالعدل، وأن يحذروا من ظلم النساء والصغار والضعفاء، وأن يردوا المسائل الدقيقة إلى أهل العلم والخبرة.
نسأل الله تعالى أن يفقهنا في دينه، وأن يرزقنا الرضا بحكمه، وأن يحفظ أموال المسلمين وحقوقهم، وأن يطهر قلوبنا من الظلم والطمع، وأن يجعلنا ممن يقفون عند حدوده ويؤدون الأمانات إلى أهلها.
كتبه: الشيخ الدكتور أبو إسلام سليم بن علي حسان بليدي
حفظه الله تعالى