الحمد لله الذي أنزل الكتاب هدىً وشفاءً، وجعل في اتباع الوحي العصمة من الضلال، وأمر عباده بلزوم الصراط المستقيم، وحذّرهم من سبل الغواية والافتتان، والصلاة والسلام على نبينا محمد، الذي ترك أمته على المحجة البيضاء، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك.
أما بعد:
فإن من أعظم ما يفسد القلوب ويصدّها عن سبيل الله فتنتين عظيمتين: فتنة الشهوات وفتنة الشبهات. وما ضلّ من ضلّ، ولا انحرف من انحرف، إلا بسبب شهوة غلبت عقله ودينه، أو شبهة أفسدت علمه ويقينه، أو باجتماع الفتنتين عليه.
والعبد في هذه الحياة معرّض للفتن والابتلاء، فلا نجاة له بقوته ولا بذكائه ولا بكثرة معلوماته، وإنما نجاته بعد توفيق الله بالعلم النافع، والإيمان الصادق، والتقوى، ولزوم الكتاب والسنة، والرجوع إلى العلماء الربانيين، ومجاهدة النفس على طاعة الله تعالى.
قال الله سبحانه:
﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾
[الأنعام: 153].
فتنة الشهوات هي كل ميل يدفع الإنسان إلى تقديم لذة عاجلة أو منفعة دنيوية على أمر الله ورسوله ﷺ. ومن صورها: شهوة المال، والنساء، والجاه، والرئاسة، والشهرة، والانتقام، وحب المدح، والتعلق بالمحرمات، والنظر إلى ما حرم الله، وأكل الأموال بالباطل، واتباع هوى النفس.
وقد يعلم الإنسان أن الفعل حرام، وأن الطريق الذي يسلكه باطل، ولكنه يضعف أمام شهوته، فيؤثر ما تحبه نفسه على ما يحبه الله تعالى.
قال سبحانه:
﴿فَأَمَّا مَنْ طَغَى وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾
[النازعات: 37-41].
فأصل السلامة من فتنة الشهوات أن يستحضر العبد مقامه بين يدي الله، وأن ينهى نفسه عن هواها، وألا يجعل رغباتها حاكمة على شرع الله.
أما فتنة الشبهات فهي الأفكار والاعتراضات والمعتقدات الباطلة التي تلتبس على الإنسان، فيظن الباطل حقًا والحق باطلًا، أو يشك في أصول الدين وثوابته، أو يتبع الأقوال المنحرفة بسبب زخرفة أصحابها وقوة عرضهم لها.
وقد تكون الشبهة في العقيدة، أو في السنة النبوية، أو في الأحكام الشرعية، أو في منهج السلف، أو في مكانة العلماء، أو في فهم النصوص.
وفتنة الشبهة أشد خطرًا من جهة أن صاحبها قد يرى نفسه على الحق، ويدافع عن باطله، ويدعو الناس إليه، ويحسب أنه يحسن صنعًا.
قال تعالى:
﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾
[الكهف: 103-104].
وقال سبحانه:
﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾
[آل عمران: 7].
فتنة الشهوة منشؤها فساد الإرادة والقصد، وعلاجها قوة الإيمان والتقوى والصبر ومجاهدة النفس.
وفتنة الشبهة منشؤها فساد العلم والتصور، وعلاجها العلم النافع واليقين والرجوع إلى الوحي وفهم السلف الصالح.
وقد تجتمع الشهوة والشبهة في قلب واحد؛ فيتبع الإنسان هواه، ثم يبحث عن شبهة يبرر بها معصيته. فيبدأ الأمر شهوة، ثم تتحول الشهوة إلى فكر منحرف يدافع به عن فعله.
فمن أراد السلامة احتاج إلى أمرين:
بصيرة تميّز الحق من الباطل.
وإرادة إيمانية تقدّم الحق على هوى النفس.
القلوب تتأثر بما يُعرض عليها، فإذا تساهل العبد في النظر إلى الشبهات والشهوات، تعلقت بقلبه، حتى يضعف نور الإيمان فيه.
قال رسول الله ﷺ:
«تُعْرَضُ الْفِتَنُ عَلَى الْقُلُوبِ كَالْحَصِيرِ عُودًا عُودًا، فَأَيُّ قَلْبٍ أُشْرِبَهَا نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ، وَأَيُّ قَلْبٍ أَنْكَرَهَا نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ بَيْضَاءُ».
رواه مسلم.
فالفتنة لا تقتحم القلب دائمًا دفعة واحدة، وإنما تدخل إليه شيئًا فشيئًا: نظرة بعد نظرة، ومقطعًا بعد مقطع، وصحبة بعد صحبة، وتنازلًا بعد تنازل، حتى يألف القلب ما كان ينكره، ويستحسن ما كان يستقبحه.
ولهذا كان من الحكمة أن يغلق المسلم أبواب الفتنة من بدايتها، وألا يختبر قوة إيمانه بتعريض نفسه لمواطن الشبهات والشهوات.
أعظم ما يعصم العبد من الفتن صدق التوحيد والإخلاص لله تعالى؛ فإن القلب إذا امتلأ بمحبة الله وتعظيمه وخوفه ورجائه، ضاقت فيه مساحة التعلق بالشهوات والشبهات.
قال الله تعالى عن يوسف عليه السلام:
﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾
[يوسف: 24].
فالإخلاص حصن عظيم، ومن صدق مع الله صدقه الله، وأعانه على نفسه وهواه وشيطانه.
وعلى العبد أن يجدد نيته باستمرار، ويسأل نفسه: هل أريد بهذا العمل وجه الله، أم أريد مدح الناس وشهرتهم وثناءهم؟ فإن حب الظهور والرياسة من أخطر الشهوات الخفية.
الوحي هو النور الذي يكشف ظلمات الشبهات، والميزان الذي تُعرف به حقيقة الأقوال والأعمال.
قال الله تعالى:
﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى﴾
[طه: 123].
وقال سبحانه:
﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾
[آل عمران: 103].
فلا تُعرض نصوص القرآن والسنة على أهواء الناس، بل تُعرض أقوال الناس وآراؤهم على الكتاب والسنة. فما وافق الوحي قُبل، وما خالفه رُدّ، كائنًا من كان قائله.
ولا تحصل العصمة بمجرد الانتساب إلى القرآن والسنة، بل لا بد من فهمهما على ما كان عليه الصحابة ومن تبعهم بإحسان، لأنهم أعلم الأمة بمراد الله ورسوله ﷺ.
العلم نور، والجهل ظلمة، والشبهات إنما تنتشر في البيئات التي يضعف فيها العلم الشرعي.
قال النبي ﷺ:
«مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ».
متفق عليه.
والعلم الذي يعصم من الفتن ليس المعلومات المبعثرة التي يجمعها الإنسان من المقاطع القصيرة والمنشورات المجهولة، بل العلم المؤصّل المبني على الكتاب والسنة، المأخوذ عن العلماء المعروفين بالعلم والسنة والاستقامة.
ومن الخطأ أن يدخل المبتدئ في دقائق الشبهات، أو يقرأ كتب أهل البدع والضلال، أو يستمع إلى كل متحدث بحجة معرفة ما عنده؛ فإن القلوب ضعيفة، والشبه خطافة.
من أعظم أسباب الثبات أن يفهم المسلم الدين كما فهمه الصحابة والتابعون وأئمة الهدى، وألا يستقل بفهم النصوص بعيدًا عن طريقهم.
قال الله تعالى:
﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾
[النساء: 115].
فجمع الله بين مخالفة الرسول ﷺ واتباع غير سبيل المؤمنين، مما يدل على وجوب لزوم سبيل الصحابة ومن سار على منهجهم.
وكل فهم للدين يناقض ما أجمع عليه الصحابة أو يخالف أصولهم في الاعتقاد والاستدلال فهو فهم مردود، مهما زخرفه أصحابه بالألفاظ والشعارات.
عند نزول الفتن لا يرجع المسلم إلى كل مشهور أو متصدر، بل يرجع إلى أهل العلم الراسخين المعروفين بالسنة والعقل والحكمة.
قال تعالى:
﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾
[النحل: 43].
وقال سبحانه:
﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾
[النساء: 83].
والعالم الرباني لا يهيّج الناس، ولا يتسرع في النوازل، ولا يتكلم بغير علم، بل يجمع بين العلم والحلم والبصيرة ومعرفة العواقب.
أما من يتصدر للناس بلا تأهل، أو يجعل مواقع التواصل مصدر علمه، فقد يفسد أكثر مما يصلح، ويزيد الفتنة اشتعالًا.
تقوى الله هي أن يجعل العبد بينه وبين عذاب الله وقاية بفعل أوامره وترك نواهيه.
وقد وعد الله المتقين بالمخرج والنور والفرقان، فقال سبحانه:
﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾
[الطلاق: 2-3].
وقال تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾
[الأنفال: 29].
والفرقان نور يضعه الله في قلب العبد، يفرق به بين الحق والباطل، والهدى والضلال، والسنة والبدعة.
الصلاة صلة بين العبد وربه، وهي من أعظم ما يعين على مقاومة الشهوات.
قال الله تعالى:
﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾
[العنكبوت: 45].
فمن حافظ على الصلاة بخشوعها وشروطها وأركانها، وأداها في وقتها، أعانته بإذن الله على ترك المعاصي.
أما من ضيع الصلاة، فقد فتح على نفسه أبواب الشهوات والغفلة،
قال تعالى:
﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾
[مريم: 59].
فتأمل كيف جمع الله بين إضاعة الصلاة واتباع الشهوات.
النفس تميل إلى الراحة واللذة العاجلة، ولا تستقيم إلا بالمجاهدة.
قال الله تعالى:
﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾
[العنكبوت: 69].
ومن المجاهدة أن يجبر الإنسان نفسه على الطاعة، وأن يمنعها من الحرام، وأن يصبر على ألم ترك الشهوة حتى يجد حلاوة الإيمان.
فالمعصية قد تكون لذتها لحظات، ثم تعقبها حسرة وظلمة وضيق. أما الطاعة فقد تشق على النفس في بدايتها، ثم تورث نورًا وطمأنينة وسعادة.
من الحكمة ألا يقترب المسلم من أسباب الفتنة ثم يزعم أنه قادر على مقاومتها.
فمن خاف فتنة النظر، فليغض بصره ويبتعد عن المواقع والحسابات المحرمة. ومن خاف فتنة المال، فليبتعد عن المعاملات المشبوهة. ومن خاف فتنة الشبهات، فلا يستمع إلى أهل الأهواء ولا يتابع صفحاتهم.
قال الله تعالى:
﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾
[الإسراء: 32].
فلم يقل: لا تزنوا فقط، بل نهى عن قربان الزنا، فيدخل في ذلك سد الطرق الموصلة إليه.
ومن الحزم حذف الوسائل التي تقود إلى المعصية، وقطع العلاقات المحرمة، والابتعاد عن الأماكن التي تضعف فيها النفس.
الصاحب يؤثر في صاحبه، إما أن يعينه على الطاعة أو يجرّه إلى المعصية والانحراف.
قال النبي ﷺ:
«الْمَرْءُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ، فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِلُ».
رواه أبو داود والترمذي.
فالصحبة الصالحة تذكّر بالله، وتعين على الصلاة، وتنصح عند الخطأ، وتستر العيوب، وتدعو إلى العلم والخير.
أما صحبة أهل الشهوات فتزين المعصية، وصحبة أهل الشبهات تهون البدعة والانحراف. وقد يبدأ الإنسان بمجرد مجالستهم، ثم يعجب بكلامهم، ثم يدافع عنهم، ثم يصبح واحدًا منهم.
القلب إن لم يُشغل بالحق شغلته الأهواء والوساوس. وذكر الله حياة القلوب وطمأنينتها.
قال تعالى:
﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾
[الرعد: 28].
وتلاوة القرآن بتدبر تقوي اليقين، وتكشف الشبهات، وتضعف سلطان الشهوة، وتذكّر العبد بالجنة والنار والوقوف بين يدي الله.
ومن أعرض عن ذكر الله ضاق صدره واضطرب قلبه،
قال تعالى:
﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾
[طه: 124].
الثبات بيد الله وحده، والقلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء. لذلك كان النبي ﷺ يكثر أن يقول:
«يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ، ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ».
رواه الترمذي.
ومن الأدعية العظيمة قول الله تعالى:
﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾
[آل عمران: 8].
فلا يغتر الإنسان بعلمه أو عبادته، بل يسأل الله دائمًا الثبات والعافية من الفتن.
عند كثرة الفتن ينبغي للمسلم أن يبادر بالطاعات قبل أن يحال بينه وبين العمل، أو يضعف قلبه أمام الفتنة.
قال النبي ﷺ:
«بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ فِتَنًا كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ، يُصْبِحُ الرَّجُلُ مُؤْمِنًا وَيُمْسِي كَافِرًا، أَوْ يُمْسِي مُؤْمِنًا وَيُصْبِحُ كَافِرًا، يَبِيعُ دِينَهُ بِعَرَضٍ مِنَ الدُّنْيَا».
رواه مسلم.
فالعمل الصالح يثبت الإيمان، ويقوي القلب، ويكون للعبد ذخيرة عند اشتداد الفتن.
من وقع في شهوة أو تأثر بشبهة فلا ييأس من رحمة الله، بل يبادر إلى التوبة، ويترك الذنب، ويندم عليه، ويعزم على عدم العودة إليه.
قال الله تعالى:
﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾
[الزمر: 53].
ومن شروط التوبة من الشبهات أن يتخلى الإنسان عن القول الباطل، ويرجع إلى الحق، ولا تأخذه العزة بالإثم. ومن شروط التوبة من الشهوات أن يقطع أسباب المعصية، ويبتعد عما يعيده إليها.
أصبحت وسائل التواصل من أعظم أبواب الفتن؛ ففيها الشهوة المعروضة في صورة، والشبهة المنشورة في مقطع، والكلمة التي تصل إلى الآلاف في لحظات.
ولذلك يجب على المسلم ألا يتابع كل حساب، ولا يشاهد كل مقطع، ولا يعيد نشر كل خبر. وعليه أن يسأل نفسه قبل النشر: هل هذا حق؟ وهل في نشره مصلحة؟ وهل تكلم فيه أهل العلم؟
وقد يكون حذف تطبيق أو إلغاء متابعة حساب سببًا في سلامة الدين والقلب، وما ترك عبد شيئًا لله إلا عوضه الله خيرًا منه.
من علامات سلامة القلب:
تعظيم نصوص الكتاب والسنة.
قبول الحق ممن جاء به.
الرجوع إلى العلماء عند الاشتباه.
الخوف من الذنب وعدم الأمن من الفتنة.
سرعة التوبة بعد المعصية.
بغض البدع والشهوات المحرمة.
ملازمة الطاعات والصحبة الصالحة.
عدم الفرح بانتشار الفتن بين المسلمين.
الدعاء للمفتونين بالهداية بدل الشماتة بهم.
حفظ اللسان عند اضطراب الأحوال.
إن النجاة من فتن الشهوات والشبهات ليست بكثرة الادعاء، وإنما بصدق اللجوء إلى الله، ولزوم الوحي، وفهم السلف، وطلب العلم النافع، وصحبة الصالحين، ومجاهدة النفس، والبعد عن أسباب الفتن.
فتنة الشهوة تعالج بالتقوى والصبر والعبادة ومخالفة الهوى، وفتنة الشبهة تعالج بالعلم واليقين والرجوع إلى العلماء. ومن جمع الله له العلم النافع والعمل الصالح فقد جمع له أسباب النجاة.
فيا عبد الله، لا تأمن على قلبك، ولا تعرضه لكل شبهة وشهوة، ولا تغتر بصلاحك السابق؛ فإن القلوب تتقلب، وإنما العبرة بالخاتمة.
الزم كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، واحفظ صلاتك، واختر صحبتك، وأغلق أبواب الحرام، وأكثر من الدعاء:
اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك، وأعذنا من الفتن ما ظهر منها وما بطن، وارزقنا علمًا نافعًا وعملًا صالحًا وقلبًا خاشعًا، وأرنا الحق حقًا وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلًا وارزقنا اجتنابه، ولا تجعله ملتبسًا علينا فنضل، واهدنا صراطك المستقيم، واحفظ شباب المسلمين ونساءهم ورجالهم من فتن الشهوات والشبهات، إنك ولي ذلك والقادر عليه.
كتبه الشيخ الدكتور سليم أبي إسلام بن علي حسان بليدي حفظه الله تعالى