إنَّ المنبر في الإسلام ليس موضعًا للتجربة، ولا ميدانًا لاستعراض الأصوات والقدرات، ولا وسيلةً لاكتساب الشهرة وجمع الأتباع، وإنما هو مقامٌ عظيم لتبليغ دين الله، وتعليم الناس عقيدتهم وعبادتهم وأخلاقهم، وإرشادهم إلى ما يصلح دنياهم وآخرتهم.
فالخطيب يتكلم في دين الله، وينسب الأحكام إلى الشريعة، ويسمعه العامة الذين قد يعتقدون أن كل ما يُقال فوق المنبر حقٌّ لا يحتمل الخطأ. ومن هنا كانت مسؤولية المنبر عظيمة، وكان الواجب ألا يتصدر له إلا من كان مؤهلًا بالعلم والعقيدة الصحيحة، عارفًا بالكتاب والسنة وفهم السلف، قادرًا على التمييز بين الصحيح والضعيف، والحق والباطل، والسنة والبدعة.
قال الله تعالى:
﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾
[الأعراف: 33].
فجعل الله القول عليه بغير علم من أعظم المحرمات؛ لأن المتكلم بغير علم قد يحلل الحرام، أو يحرم الحلال، أو ينشر حديثًا مكذوبًا، أو يقرر عقيدة فاسدة، أو يضل الناس وهو يظن أنه يحسن صنعًا.
إن صعود المنبر ليس مجرد تكريم للإنسان، بل هو تكليف ومسؤولية وأمانة سيسأل عنها أمام الله. والخطيب المؤهل يعلم أنه لا يتكلم بما تشتهيه نفسه، ولا بما يرضي الجماهير، ولا بما يحقق مصالحه الشخصية، وإنما يتكلم بالدليل، ويتحرى الحق، ويخاف أن ينسب إلى دين الله ما ليس منه.
قال تعالى:
﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾
[الإسراء: 36].
وقد كان السلف رحمهم الله، مع علمهم وفضلهم، يتورعون عن الكلام والفتوى، ويقول أحدهم فيما لا يعلم: لا أدري. أما اليوم فقد يتصدر بعض الناس للكلام في العقيدة والفقه والحديث والنوازل، وهو لم يتعلم أصول العلم، ولم يعرف مراتب الأدلة، ولم يدرس قواعد الاستنباط، وربما لا يحسن قراءة الآية أو الحديث.
إن جمال الصوت، وقوة الحضور، وكثرة المتابعين، وحسن العبارة، لا تجعل الإنسان عالمًا ولا خطيبًا مؤهلًا. فقد يكون الرجل فصيحًا لكنه قليل العلم، وقد يكون مؤثرًا لكنه ينشر الأحاديث الضعيفة والقصص المكذوبة، وقد يبكي الناس بكلامه ثم يتركهم على جهل في العقيدة والعبادة.
العبرة ليست بمن يرفع صوته، وإنما بمن يرفع الدليل. وليست العبرة بمن يثير عواطف الناس ساعة، وإنما بمن يعلمهم الحق، ويربطهم بالكتاب والسنة، ويقيم كلامه على فهم الصحابة والتابعين وأئمة الهدى.
قال رسول الله ﷺ:
«إِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنَ الْعِبَادِ، وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ، حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِمًا اتَّخَذَ النَّاسُ رُؤُوسًا جُهَّالًا، فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا».
متفق عليه.
والخطر ليس في أن يضل الجاهل وحده، وإنما في أن يضل ويُضل غيره، وأن يتحول خطؤه الشخصي إلى خطأ عام يسمعه المئات وينتشر بين الآلاف.
المسجد ليس ملكًا للإمام ولا للإدارة ولا لجماعة معينة؛ وإنما هو بيت من بيوت الله، ومن حق المسلمين أن يسمعوا فيه العقيدة الصحيحة، والأحاديث الثابتة، والأحكام المبنية على الدليل، والمواعظ التي تجمع بين العلم والرفق والحكمة.
ومن الظلم للمصلين أن يُسلَّم المنبر لمن لا يعرف قدره، أو لمن يستعمله لتصفية الحسابات، أو الطعن في الأشخاص، أو إثارة الفتن، أو نشر الانتماءات الحزبية، أو جمع الأموال بغير حق، أو الدعوة إلى البدع والخرافات.
كما أنه ليس لأحد أن يفرض نفسه على المنبر لمجرد أنه أقدم الموجودين، أو أكثرهم مالًا، أو أقربهم إلى الإدارة، أو لأنه يملك تأثيرًا اجتماعيًا. إنما يقدم الأعلم والأتقى والأقدر على تبليغ الحق.
كما أن الناس لا يسلمون أجسادهم لمن لم يدرس الطب، ولا يسلمون بناء بيوتهم لمن يجهل الهندسة، فلا يجوز لهم أن يسلموا عقائدهم وعباداتهم وأحكام دينهم لمن لم يتأهل للعلم الشرعي.
ولا يعني هذا احتقار غير المتخصصين أو منع المسلم من الدعوة إلى الخير الذي يعلمه يقينًا؛ فكل مسلم يدعو إلى الصلاة والصدق وبر الوالدين وسائر الحق الواضح. لكن الكلام في دقائق العقيدة، وأحكام الحلال والحرام، والنوازل، والخلافات العلمية، وتفسير القرآن وتخريج الأحاديث، يحتاج إلى علم وتأصيل.
قال تعالى:
﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾
[النحل: 43].
فلو استوى العالم والجاهل لما أمر الله بالرجوع إلى أهل العلم.
يا من ترغب في صعود المنبر، اسأل نفسك أولًا: هل تعلمت قبل أن تتكلم؟ هل تعرف صحة ما تنسبه إلى النبي ﷺ؟ هل تستطيع التفريق بين المسائل القطعية والاجتهادية؟ هل تعرف عقيدة السلف؟ هل تتحمل أن يقف بين يدي الله من ضل بسبب كلمة قلتها بغير علم؟
إن وجدت نفسك غير مؤهل، فلا يحملنك الحياء أو حب الظهور على اقتحام هذا المقام. اجلس في مجالس العلماء، وتعلم، واحفظ، وافهم، واسأل، ثم تكلم بعلم. فالرجوع إلى مقاعد الطلب خير من الصعود إلى منبر يورد صاحبه موارد الهلاك.
وقولك: «لا أعلم» لا ينقص قدرك، وإنما الذي ينقصه أن تتكلم فيما لا تعلم.
اتركوا المنابر للعلماء وطلبة العلم المؤهلين، المعروفين بصحة العقيدة وسلامة المنهج، والملتزمين بالكتاب والسنة وفهم السلف الصالح.
اتركوها لمن يخاف الله في كلمته، ويتثبت في نقله، ولا يجعل المنبر طريقًا للشهرة أو المصالح الشخصية.
اتركوها لمن يجمع الناس على التوحيد والسنة، ويعلمهم برفق وحكمة، ويردهم إلى العلماء عند النوازل والمسائل المشكلة.
واحذروا من تمكين الجهال وأصحاب الأهواء؛ فإن فساد المنبر يفسد فكر الناس، ويشوّش عقائدهم، ويوقع بينهم الفتن والخصومات.
إن المنابر أمانة، والكلمة أمانة، ودين الناس أمانة. ومن عظم الأمانة أن توضع في أهلها.
قال الله تعالى:
﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾
[النساء: 58].
فاللهم احفظ منابر المسلمين من الجهل والبدع والأهواء، ووفق أئمتها وخطباءها للعلم النافع والعمل الصالح والقول السديد، واجعلهم مفاتيح للخير، مغاليق للشر، هداةً مهتدين غير ضالين ولا مضلين.
كتبه: الشيخ الدكتور أبو إسلام سليم بن علي حسان بليدي
حفظه الله تعالى