الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد ﷺ. إنَّ التفقه في الدين من أعظم أسباب الخير، قال النبي ﷺ: «من يُرِدِ اللهُ به خيرًا يُفَقِّهْهُ في الدِّين» متفق عليه. فبالعلم يعرف العبد ربَّه، ويُميّز بين الحق والباطل، والسنة والبدعة. والعلم في الإسلام يسبق العمل، ولا يُقبل عملٌ إلا إذا كان مبنيًا على علمٍ صحيح. فاحرص على تعلّم دينك، واعبدِ الله على بصيرة، فإن العلم النافع طريقُ النجاة

المزيد
آخر الأخبار

 

إن بلاد الحرمين الشريفين لها مكانة عظيمة في قلوب المسلمين؛ ففيها مكة المكرمة، أم القرى، ومهوى أفئدة المؤمنين، وفيها بيت الله الحرام وقبلة المسلمين التي يتوجهون إليها في صلاتهم، ومنها أشرق نور الرسالة المحمدية، وفي المدينة النبوية مسجد رسول الله ﷺ وقبره الشريف، ومنها انتشر الإسلام في مشارق الأرض ومغاربها.

قال الله تعالى:

﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ ۝ فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾
[آل عمران: 96-97].

مكة منطلق دعوة التوحيد

إن مكة المكرمة هي البلد الذي بعث الله فيه خاتم أنبيائه ورسله محمدًا ﷺ، فقام يدعو الناس إلى عبادة الله وحده، وترك عبادة الأصنام والأوثان والأولياء والأضرحة وكل ما يُعبد من دون الله.

وكان أول ما دعا إليه رسول الله ﷺ قول: «لا إله إلا الله»، وهي كلمة التوحيد التي قامت عليها السماوات والأرض، ومن أجلها أُرسلت الرسل، وأُنزلت الكتب، وخُلق الثقلان.

قال تعالى:

﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾
[الأنبياء: 25].

فبلاد الحرمين بلاد التوحيد؛ لأن الكعبة المشرفة بُنيت لعبادة الله وحده، ولأن إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام رفعا قواعدها على التوحيد، ولأن محمدًا ﷺ طهّرها من الأصنام والأوثان، وأعلن فيها بطلان الشرك ووجوب إخلاص العبادة لله رب العالمين.

دعوة إبراهيم عليه السلام

دعا إبراهيم الخليل عليه السلام ربه أن يجعل مكة بلدًا آمنًا، وأن يجنبه وبنيه عبادة الأصنام،

فقال: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾
[إبراهيم: 35].

ودعا هو وابنه إسماعيل عليهما السلام أن يبعث الله في أهل مكة رسولًا يتلو عليهم آياته ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم، فاستجاب الله دعاءهما، وبعث محمدًا ﷺ بالهدى ودين الحق.

فمكة ليست أرضًا مقدسة فحسب، بل هي موطن التوحيد، ومنطلق الرسالة، ومكان إعلان البراءة من الشرك وأهله. ولهذا لا يجوز أن تُرفع فيها راية الغلو، ولا أن تُنشر فيها دعوة الشرك، ولا أن يُصرف شيء من العبادة لغير الله تعالى.

المدينة دار السنة والإيمان

أما المدينة النبوية فهي دار الهجرة والسنة والإيمان، إليها هاجر رسول الله ﷺ، وفيها أقام دولة الإسلام، ومنها خرج الصحابة يحملون القرآن والسنة والتوحيد إلى العالم.

قال النبي ﷺ:

«إِنَّ الإِيمَانَ لَيَأْرِزُ إِلَى الْمَدِينَةِ كَمَا تَأْرِزُ الْحَيَّةُ إِلَى جُحْرِهَا»
متفق عليه.

وفي المدينة عاش المهاجرون والأنصار، وفيها نزل كثير من الأحكام، وفيها مسجد النبي ﷺ الذي قال في فضله:

«صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ إِلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ»
متفق عليه.

وقد دعا النبي ﷺ للمدينة بالأمن والبركة، وحذّر من إرادة أهلها بسوء، فقال:

«مَنْ أَرَادَ أَهْلَ هَذِهِ الْمَدِينَةِ بِسُوءٍ أَذَابَهُ اللهُ كَمَا يَذُوبُ الْمِلْحُ فِي الْمَاءِ»
رواه مسلم.

تجديد دعوة التوحيد

لما انتشر الجهل في أزمنة متأخرة، وظهرت مظاهر الغلو في القبور والأولياء، قيّض الله في جزيرة العرب من جدّد الدعوة إلى التوحيد، ودعا الناس إلى إخلاص العبادة لله والرجوع إلى القرآن والسنة وما كان عليه الصحابة والتابعون.

فقامت دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله على تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله، ومحاربة الشرك والخرافة، وإبطال الاستغاثة بالأموات والطواف بالقبور والذبح والنذر لغير الله. ولم يأت الشيخ بدين جديد، وإنما دعا إلى ما دعت إليه الرسل جميعًا: عبادة الله وحده ونبذ الشرك.

قال تعالى:

﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾
[النحل: 36].

حرمة الاعتداء على بلاد الحرمين

إن أمن بلاد الحرمين ليس شأنًا خاصًا بأهلها وحدهم، بل هو من مصالح المسلمين جميعًا؛ لأن اضطراب أمنها يهدد الحجاج والمعتمرين وسكان البلد الحرام وزوار مسجد النبي ﷺ.

وقد قال الله تعالى في شأن المسجد الحرام:

﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾
[الحج: 25].

فكل من يهدد مكة أو المدينة، أو يطلق الصواريخ والطائرات المسيّرة باتجاه مناطقهما، أو يعرّض الحجاج والمعتمرين للخطر، فقد ارتكب جرمًا عظيمًا، وانتهك حرمة البلد الحرام، مهما رفع من شعارات سياسية أو دينية.

ولا يمكن لمن يعظّم الحرمين حقًا أن يعرّض أمنهما للخطر، أو يجعل مقدسات المسلمين ساحةً لمشروعاته السياسية والطائفية. فتعظيم الحرم لا يكون بالكلام والشعارات، وإنما يكون بحفظ أمنه، واحترام حرمته، وتجنيبه الصراعات والاعتداءات.

بلاد الحرمين ليست موطنًا للمشروعات الطائفية

لقد كانت مكة والمدينة موطن التوحيد والسنة واجتماع المسلمين، وليستا ملكًا لطائفة أو حزب أو جماعة. ومن أراد إدخال المشروعات الرافضية والطائفية إلى جزيرة العرب، أو نشر الغلو في الأئمة والسلالات، أو الطعن في أصحاب رسول الله ﷺ، فقد أراد تغيير هوية بلاد الحرمين ومخالفة العقيدة التي قامت عليها.

إن عقيدة أهل السنة تقوم على عبادة الله وحده، ومحبة النبي ﷺ وآل بيته وأصحابه جميعًا، من غير غلو ولا جفاء، ومن غير سبّ ولا تكفير ولا ادعاء عصمة لأحد بعد رسول الله ﷺ.

قال تعالى:

﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾
[التوبة: 100].

فمنهج بلاد الحرمين هو تعظيم التوحيد، ونشر السنة، ومحبة الصحابة وآل البيت، ومحاربة الشرك والغلو والخرافة.

الواجب نحو بلاد الحرمين

يجب على المسلمين أن يعرفوا لبلاد الحرمين قدرها، وأن يدعوا لها بالأمن والاستقرار، وأن يرفضوا كل مشروع يريد الاعتداء عليها أو زعزعة أمنها أو تحويلها إلى ساحة للحروب والصراعات الطائفية.

كما يجب على العلماء والدعاة أن يبينوا للناس حقيقة التوحيد، وأن يحذروا من الغلو في الأشخاص والأضرحة والسلالات، وأن يربطوا المسلمين بالقرآن والسنة وفهم السلف الصالح.

ولا يعني الدفاع عن بلاد الحرمين ادعاء العصمة لأحد من البشر؛ فالعصمة لكتاب الله ولسنة رسوله ﷺ. لكن الإنصاف يقتضي الاعتراف بفضل هذه البلاد، وما تقوم به من خدمة الحرمين، واستقبال الحجاج والمعتمرين، وطباعة المصحف، ونشر كتب السنة والعقيدة، والعناية بمقدسات المسلمين.

خاتمة

ستبقى بلاد الحرمين بإذن الله أرض التوحيد، ومهبط الوحي، ومنطلق الرسالة، وقبلة المسلمين. وستبقى مكة بلدًا حرامًا، والمدينة دار الإيمان والسنة، مهما حاول أصحاب الغلو والطائفية والمشروعات السياسية تشويه مكانتهما أو تهديد أمنهما.

فالواجب على المسلمين أن يتمسكوا بالتوحيد الذي بُني عليه البيت الحرام، وأن يحذروا من الشرك والبدع والغلو، وأن يحفظوا حرمة الحرمين، ويقفوا ضد كل من يريد بهما وبأهلهما سوءًا.

نسأل الله أن يحفظ مكة والمدينة وسائر بلاد المسلمين، وأن يديم عليها الأمن والإيمان، وأن يرد عنها كيد المعتدين، وأن يجعلها منارات للتوحيد والسنة إلى قيام الساعة.

كتبه: الشيخ الدكتور أبو إسلام سليم بن علي حسان بليدي
حفظه الله تعالى