الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
قال الله تعالى: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنبياء: ١].
آية عظيمة توقظ القلوب، وتذكّر الإنسان بحقيقة قد يُنسيه إياها انشغاله بالدنيا: أنه سائر إلى لقاء ربه، وأن أيامه تنقضي، وأنه سيقف بين يدي الله مسؤولًا عن أعماله. فما مضى من العمر لا يعود، وكل يوم ينتهي يقرّب العبد من أجله.
الغفلة التي تحجب حقيقة المصير
قد يعرف الإنسان أن الموت حق، وأن البعث حق، وأن الحساب حق، ثم يعيش كأنه لن يموت، ويؤجل التوبة كأنه يملك الغد. يسمع المواعظ فلا ينتفع، ويرى رحيل الناس فلا يعتبر، وتشغله أخبار الدنيا عن النظر في حاله مع الله.
وليست الغفلة مجرد انشغال عابر؛ إنما يشتد خطرها حين تصير عادة، فيألف المرء التقصير، ويستصغر الذنب، ويثقل عليه الرجوع إلى الحق. ولهذا ينبغي للمسلم أن يسأل نفسه: أين أنا من الصلاة؟ وكيف حالي مع القرآن؟ وهل أؤدي حقوق الناس؟ وماذا أعددت للقاء الله؟
الحساب يشمل حقوق الله وحقوق العباد
إن الاستعداد للآخرة يظهر في عبادة العبد وأخلاقه ومعاملاته. فمن حافظ على عبادته وجب عليه أيضًا أن يحفظ لسانه، ويؤدي الأمانة، ويجتنب الظلم، ويصون حقوق من يعاملهم.
قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧–٨].
فلا تحتقر خيرًا تستطيع فعله، ولا تستهن بشرٍّ تستطيع تركه. وقد تكون كلمة سببًا في جبر قلب، وقد تكون كلمة أخرى سببًا في جرحه. وقد يُغلق الإنسان بابًا من أبواب الظلم بردِّ مال، أو باعتذار صادق، أو بكفِّ أذى طال أمده.
ومن كانت عنده مظلمة فليبادر إلى إصلاحها؛ فإن التوبة من حقوق العباد تقتضي رد الحقوق أو طلب المسامحة، بحسب الحق والقدرة، مع الندم والإقلاع والعزم على عدم العودة.
لا تؤجل التوبة
من أعظم أسباب استمرار الغفلة أن يقول الإنسان: سأتوب لاحقًا، وسأصلح حالي حين أفرغ، وسأستقيم حين تكبر سني. ومن يضمن له أن يدرك ذلك الوقت؟
ابدأ بما تستطيع اليوم: حافظ على صلاتك، واترك المعصية التي تعلمها من نفسك، وردَّ الحق الذي في ذمتك، وافتح المصحف، وأصلح ما بينك وبين ربك. فإن صدق البداية خير من طول الأماني، والعمل القليل المستمر أنفع من اندفاع يعقبه انقطاع.
ولا تجعل كثرة الذنوب سببًا لليأس؛ فقد قال الله تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر: ٥٣].
وهذا نداء يدعو المذنب إلى الرجوع، ويفتح له باب الرجاء والتوبة. فليجمع المؤمن بين الخوف من الحساب وحسن الظن بالله، وليترجم رجاءه إلى طاعة واستغفار وإصلاح.
اجعل تذكّر الحساب باعثًا على الخير
تذكّر الآخرة يعين المسلم على أن يعيش عمره في طاعة الله، وأن يحسن إلى أهله، ويرحم الضعيف، ويصدق في عمله، ويعدل في حكمه. وهو يردعه عن ظلم الناس، ولو استطاع إخفاء ظلمه عن أعينهم؛ لأنه يعلم أن الله مطّلع عليه.
فيا عبد الله، قف مع نفسك وقفة صدق، وراجع أعمالك قبل أن ينتهي وقت العمل. اغتنم صحتك ووقتك، وأصلح سريرتك، واجعل لك نصيبًا من العبادة والخير كل يوم. فإن العمر مهما طال محدود، وما عند الله خير وأبقى.
اللهم أيقظ قلوبنا من الغفلة، وارزقنا توبة صادقة، وأعنّا على أداء الحقوق، وأحسن خاتمتنا، واغفر لنا ولوالدينا وللمؤمنين.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
كتبه الشيخ الدكتور أبو إسلام سليم بن علي حسان بليدي