الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد ﷺ. إنَّ التفقه في الدين من أعظم أسباب الخير، قال النبي ﷺ: «من يُرِدِ اللهُ به خيرًا يُفَقِّهْهُ في الدِّين» متفق عليه. فبالعلم يعرف العبد ربَّه، ويُميّز بين الحق والباطل، والسنة والبدعة. والعلم في الإسلام يسبق العمل، ولا يُقبل عملٌ إلا إذا كان مبنيًا على علمٍ صحيح. فاحرص على تعلّم دينك، واعبدِ الله على بصيرة، فإن العلم النافع طريقُ النجاة

المزيد
فوائد علمية

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن اتبع هداه، أما بعد:

فمن محاسن الشريعة الإسلامية أنها تجمع بين إقامة العبودية لله ومراعاة قدرة المكلَّفين وأحوالهم؛ فلا تكلّفهم بما يعجزون عنه، ولا تجعل الضرر والحرج مقصودين لذاتهما. وفي هذا المعنى تأتي قاعدة «المشقة تجلب التيسير»، وهي من القواعد الفقهية الكبرى التي تُفهم بها جملة من أحكام الرخص والتخفيف.

غير أن فهمها يحتاج إلى ضبط؛ حتى يُعمل بالتيسير في موضعه، ولا تتحول القاعدة إلى ذريعة لترك الواجبات أو استباحة المحرمات.

أولًا: معنى القاعدة وموقعها العلمي

المقصود بالقاعدة أن المشقة المعتبرة شرعًا تكون سببًا للتخفيف على الوجه الذي أذن به الشرع؛ كالتخفيف بسبب المرض أو السفر أو العجز.

وهذه العبارة صياغة فقهية، وليست حديثًا نبويًا بلفظها. وهي قاعدة تجمع أحكامًا عملية متعددة، بخلاف القواعد الأصولية التي تبحث في طرق الاستدلال ودلالات الأدلة، مثل دلالة الأمر والنهي.

وليس معناها أن كل تعب يسقط التكليف؛ فإن الصلاة والصيام والحج وغيرها من العبادات قد يصاحبها جهد معتاد. وإنما تُفرَّق المشقة الملازمة للتكليف عادةً عن المشقة الزائدة التي اعتبرها الشرع سببًا للتخفيف.

ثانيًا: أدلة القاعدة من القرآن الكريم

قال الله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨].

فالآية أصل عظيم في رفع الحرج، مع بقاء الأمر بعبادة الله والامتثال لشريعته.

وقال سبحانه، في سياق أحكام الصيام ورخصة المريض والمسافر: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]. فالتيسير هنا ظاهر في الإذن بالفطر مع القضاء، وليس في إسقاط عبادة الصيام بلا بدل على كل من وجد تعبًا.

وقال تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، وقال سبحانه: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦].

وتدل هذه النصوص على ارتباط التكليف بالقدرة، وأن العبد يؤدي ما يستطيعه، ولا يُطالب بما خرج عن استطاعته.

وفي آية الطهارة، بعد بيان التيمم، قال الله تعالى: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [المائدة: ٦]. فشرع التخفيف مع المحافظة على مقصد الطهارة والعبادة.

ثالثًا: أدلتها من السنة النبوية

عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «ما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به فافعلوا منه ما استطعتم».

أخرجه البخاري (٧٢٨٨) ومسلم (١٣٣٧)، وهو حديث صحيح متفق عليه. وفيه أن امتثال المأمور مرتبط بالاستطاعة، وأن العجز عن بعضه لا يقتضي ترك ما يمكن أداؤه.

وعن عمران بن حصين رضي الله عنه أنه سأل النبي ﷺ عن الصلاة، فقال: «صلِّ قائمًا، فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جنب».

أخرجه البخاري (١١١٧). وهذا تطبيق واضح للتيسير: يُخفَّف عن المريض في هيئة الصلاة بحسب استطاعته، مع بقاء أصل الصلاة.

وعن عائشة رضي الله عنها قالت: «ما خُيِّر رسول الله ﷺ بين أمرين إلا أخذ أيسرهما، ما لم يكن إثمًا».

أخرجه البخاري (٣٥٦٠)، وأخرجه مسلم أيضًا. وقولها: «ما لم يكن إثمًا» ضابط يمنع اتخاذ سهولة الفعل حجة لاستباحته إذا كان محرّمًا.

رابعًا: ضوابط التيسير الشرعي

١. أن يكون التخفيف مستندًا إلى الشرع.

فلا يجوز اختراع رخصة لم يأذن بها الله، ولا جعل الشعور بالضيق وحده سببًا لإلغاء حكم ثابت. وتُفهم القاعدة في ضوء النصوص الخاصة بكل مسألة، لا بمعزل عنها.

٢. التمييز بين المشقة المعتادة والمشقة المؤثرة.

فالجوع المعتاد في الصيام، والجهد المعتاد في أداء الصلاة، لا يبيحان ترك العبادة. أما المرض الذي يتضرر صاحبه بالصيام أو يزداد مرضه، فله حكم آخر بحسب حاله.

وقد يكون سبب الرخصة منصوصًا عليه، كالسفر، فلا يُشترط حينئذ أن يجد كل مسافر مشقة شديدة بالفعل؛ بل تُراعى أحكام السفر وشروطه.

٣. الاقتصار على مقدار التخفيف المأذون فيه.

فمن عجز عن القيام في الصلاة لا يترك الصلاة، وإنما يصلي على الهيئة التي يستطيعها. ومن أُذن له بالفطر لمرض عارض يقضي حين يستطيع، وفق أحكام الصيام.

٤. مراعاة استمرار العذر أو زواله.

فمن قدر على القيام عاد إليه، ومن وجد الماء وقدر على استعماله رجع إلى الطهارة بالماء في موضع وجوبها. ولا يعني ذلك بطلان ما أداه صحيحًا أثناء وجود العذر.

٥. عدم اتخاذ القاعدة وسيلة للتحايل.

فالتيسير عبادة واتباع للدليل، وليس بحثًا عن أي قول يوافق الهوى. كما لا يجوز دفع مشقة عن النفس بإيقاع ظلم على الآخرين أو إهدار حقوقهم.

خامسًا: تطبيقات فقهية

في الطهارة: شُرع التيمم عند فقد الماء أو العجز المعتبر عن استعماله، وفق شروطه؛ قال تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [المائدة: ٦].

في الصلاة: يصلي المريض بحسب استطاعته، كما في حديث عمران بن حصين، ولا يؤخر جميع صلواته إلى الشفاء لمجرد عجزه عن القيام.

في الصيام: أذن الله للمريض والمسافر بالفطر والقضاء؛ قال تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤].

في حقوق الدائن والمدين: أمر الله بإنظار المدين المعسر؛ قال سبحانه: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠]. فالتخفيف يكون بإمهاله، مع بقاء أصل الحق، ولا يشمل القادر الذي يماطل.

وتُظهر هذه الأمثلة أن صور التيسير تختلف: فقد تكون بدلًا، أو تأخيرًا، أو تغييرًا في كيفية الأداء، بحسب الدليل.

سادسًا: صلتها بمقاصد الشريعة

تكشف هذه الأحكام عن مقصد رفع الحرج، ومراعاة حفظ النفس مع حفظ الدين. فالمريض يؤدي عبادته بما يستطيع، وتُدفع عنه المشقة المؤثرة دون قطع صلته بالعبادة.

ومقاصد الشريعة تُستخرج من نصوصها وأحكامها، وتُستعمل في فهمها وتنزيلها. فلا يصح الاحتجاج بمقصد التيسير لإبطال النصوص التي بيّنت حدود التيسير نفسه.

كما أن التخفيف لا يناقض كمال الامتثال؛ فصلاة المريض قاعدًا عند عجزه أداء مشروع، وليست تقصيرًا لمجرد اختلافها عن صلاة القادر قائمًا.

خاتمة

قاعدة «المشقة تجلب التيسير» تُظهر رحمة الشريعة وحكمتها في مراعاة أحوال المكلَّفين. والفقه بها يقوم على معرفة الدليل، وتحقق سبب الرخصة، والالتزام بحدودها.

فالواجب الأخذ بالتيسير حيث شرعه الله، وأداء التكليف حيث توفرت القدرة؛ دون تشديد يخالف الرخص الثابتة، ودون تساهل يُسقط الواجبات بغير حجة.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

كتبه فضيلة الشيخ الدكتور أبو إسلام سليم بن علي حسان بليدي، حفظه الله تعالى.