الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد ﷺ. إنَّ التفقه في الدين من أعظم أسباب الخير، قال النبي ﷺ: «من يُرِدِ اللهُ به خيرًا يُفَقِّهْهُ في الدِّين» متفق عليه. فبالعلم يعرف العبد ربَّه، ويُميّز بين الحق والباطل، والسنة والبدعة. والعلم في الإسلام يسبق العمل، ولا يُقبل عملٌ إلا إذا كان مبنيًا على علمٍ صحيح. فاحرص على تعلّم دينك، واعبدِ الله على بصيرة، فإن العلم النافع طريقُ النجاة

المزيد
ضيف الموقع

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

إذا ذُكر الاشتغال بالحديث النبوي في القرن الرابع عشر الهجري، برز اسم الشيخ محمد ناصر الدين الألباني رحمه الله. فقد أمضى عقودًا في قراءة كتب الحديث ومخطوطاته، وتتبع طرق الروايات، والبحث في أحوال الرواة، وتخريج الأحاديث وبيان ما انتهى إليه اجتهاده في الحكم عليها. وانتشرت مؤلفاته بين طلاب العلم والباحثين انتشارًا واسعًا.

مولده وأسرته

وُلد الشيخ في أشقودرة بألبانيا نحو سنة ١٩١٤م. وكان والده الحاج نوح مهتمًا بالعلوم الشرعية وتعليم الناس. ثم قررت الأسرة الهجرة إلى بلاد الشام، واستقرت في دمشق. وقد أتاح هذا الانتقال للشيخ أن يتعلم العربية وأن يطّلع على كتب العلوم الإسلامية في بيئة غنية بالمكتبات والمشايخ. وتختلف بعض التراجم في السنة الهجرية لمولده، فتذكر ١٣٣٢هـ أو ١٣٣٣هـ.

تعلّمه وبدايات اهتمامه بالحديث

درس المرحلة الابتدائية في دمشق، ثم واصل التعلّم على يد والده وعدد من أهل العلم. فتعلّم القرآن والتجويد، ودرس العربية وبعض كتب الفقه الحنفي. ومن المشايخ الذين تذكرهم ترجمته سعيد البرهاني، كما نال إجازة في الحديث من محمد راغب الطباخ. ولم تكن دراسته محصورة في منهج مدرسي؛ فقد غلب عليها بعد ذلك الاعتماد على القراءة الطويلة والبحث المباشر في المصادر.

وفي شبابه انجذب إلى مباحث الحديث ونقد الروايات. ومن هنا بدأ عمل استغرق معظم حياته: لا يكتفي بوجود الحديث في كتاب متداول، بل يبحث عن مصدره وإسناده وطرقه، ثم يقارن أقوال العلماء فيه. وهذه الطريقة تحتاج إلى صبر على مراجعة الكتب والرجوع إلى الأجزاء المتفرقة والمخطوطات.

العمل والبحث في المكتبة الظاهرية

تعلّم الشيخ إصلاح الساعات وعمل به لكسب رزقه. وكان يخصص للعمل ساعات من يومه، ثم يصرف وقتًا طويلًا إلى المطالعة والبحث. وقد ارتبط اسمه بـالمكتبة الظاهرية في دمشق، حيث درس كتبًا ومخطوطات حديثية، وجمع فوائد ومراجع أسعفته في مؤلفاته اللاحقة. وتوجد تسجيلات يتحدث فيها بنفسه عن مهنة الساعات وعن صلته بالمكتبة.

وتبرز في هذه المرحلة قيمة التنظيم والمثابرة في سيرته. فقد صنع من الوقت المتاح بعد طلب الرزق ساعات ثابتة للبحث، ولم ينتظر تفرغًا كاملًا حتى يبدأ التأليف والتحقيق.

تدريسه ومنهجه العلمي

درّس الشيخ علوم الحديث في الجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية خلال ستينيات القرن العشرين. وألقى بعد ذلك دروسًا وأجاب عن أسئلة كثيرة، وحُفظت له تسجيلات علمية واسعة. وتنقل في مراحل من حياته بين بلدان متعددة، ثم استقر في عمّان بالأردن.

وكان يؤكد أهمية التحقق من ثبوت الحديث قبل بناء القول عليه أو نسبته إلى رسول الله ﷺ. ودعا إلى دراسة القرآن والسنة على فهم السلف الصالح، وإلى النظر في الأدلة عند بحث المسائل الفقهية. وقد شملت كتاباته مباحث في العقيدة والعبادات والفقه، إلى جانب عمله الرئيس في التخريج والحكم على الأحاديث. وكغيره من الباحثين، كانت بعض أحكامه وترجيحاته محل موافقة أو مناقشة من أهل العلم؛ فالانتفاع بجهوده لا يمنع الدراسة العلمية لنتائجه.

أشهر مؤلفاته

من أبرز آثاره «سلسلة الأحاديث الصحيحة»، و**«سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة وأثرها السيئ في الأمة»**. وتكشف السلسلتان عن جانب من مشروعه في جمع الروايات ودراستها وبيان ما يراه في أسانيدها ومتونها. ومن كتبه أيضًا «إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل»، وله عمل على «مشكاة المصابيح»، وكتب في فقه السنة وصفة صلاة النبي ﷺ وغيرها من الموضوعات.

وحصل الشيخ على جائزة الملك فيصل العالمية في الدراسات الإسلامية سنة ١٩٩٩م تقديرًا لجهوده في دراسة الحديث وتخريجه. وما زالت كتبه تستعمل في الرجوع إلى مصادر الروايات، وفي دراسة مناهج التصحيح والتضعيف، مع بقاء الحاجة إلى قراءة أقوال غيره من المتخصصين عند البحث والتحرير.

وفاته

توفي الشيخ الألباني رحمه الله في عمّان يوم ٢٢ جمادى الآخرة ١٤٢٠هـ، الموافق ٢ أكتوبر ١٩٩٩م. وبقي من بعده تراث كبير من الكتب والتحقيقات والتسجيلات، شاهدًا على حياة أمضاها في خدمة الحديث النبوي والبحث فيه. نسأل الله أن يغفر له، وأن يجزيه خيرًا على ما بذل من علم.

كتبه الشيخ الدكتور أبو إسلام سليم حسان بليدي

الكلمة الشهرية
دكتوراه الشريعة الإسلامية: معناها ومكانتها العلمية

أقرأ المزيد
القائمة البريدية