الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد ﷺ. إنَّ التفقه في الدين من أعظم أسباب الخير، قال النبي ﷺ: «من يُرِدِ اللهُ به خيرًا يُفَقِّهْهُ في الدِّين» متفق عليه. فبالعلم يعرف العبد ربَّه، ويُميّز بين الحق والباطل، والسنة والبدعة. والعلم في الإسلام يسبق العمل، ولا يُقبل عملٌ إلا إذا كان مبنيًا على علمٍ صحيح. فاحرص على تعلّم دينك، واعبدِ الله على بصيرة، فإن العلم النافع طريقُ النجاة

المزيد
تفسير القرآن العظيم

مقدمة السورة

سورة العصر سورة مكية، وعدد آياتها ثلاث آيات، وهي من السور الجامعة لأصول النجاة والسعادة في الدنيا والآخرة؛ فقد بيَّنت أن الإنسان محكوم عليه بالخسران، إلا من حقق أربع خصال عظيمة: الإيمان، والعمل الصالح، والتواصي بالحق، والتواصي بالصبر.

قال الله تعالى:

﴿وَالْعَصْرِ ۝ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ ۝ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾.

وقد نُقل عن الإمام الشافعي رحمه الله أنه قال في بيان عظيم شأنها: «لو تدبر الناس هذه السورة لوسعتهم»، أي: لكفتهم في بيان طريق النجاة، لا أنها تغني عن سائر القرآن وأحكام الشريعة.

أولًا: التفسير المأثور والتحرير العلمي للآيات

قوله تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ﴾

أقسم الله تعالى بالعصر، وهو الزمن الذي تجري فيه أعمال بني آدم، وتتقلب فيه أحوالهم، وتنقضي فيه أعمارهم. والزمان ميدان العمل، ورأس مال الإنسان؛ فما مضى منه لا يعود، وما بقي منه لا يملكه العبد ولا يدري هل يدركه أم لا.

وأقسم الله بالعصر لما فيه من الدلالة على قدرته وحكمته؛ ففيه تعاقب الليل والنهار، وتغير الأحوال، وذهاب الأمم ومجيء غيرها، وفيه تقع الطاعات والمعاصي، والأرباح والخسائر.

ولله تعالى أن يقسم بما شاء من مخلوقاته؛ لأنها آيات دالة على عظمته. أما المخلوق فلا يجوز له أن يقسم إلا بالله، لقول النبي ﷺ:

«مَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاللَّهِ أَوْ لِيَصْمُتْ».

متفق عليه.

قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾

هذا هو جواب القسم. وقد أكده الله بثلاثة مؤكدات:

  • «إنَّ».
  • اللام في قوله: ﴿لَفِي﴾.
  • التعبير بـ«في خسر»، الذي يدل على أن الإنسان محاط بالخسران.

و«الإنسان» هنا عام يشمل جنس بني آدم؛ فالأصل في الناس أنهم في نقصان وهلاك وخسران، لأن أعمارهم تنقضي، وأيامهم تذهب، ومن لم يعمرها بطاعة الله كانت حجة عليه يوم القيامة.

والخسران مراتب:

  • خسران كامل، وهو خسران الكافر الذي خسر نفسه وأهله يوم القيامة وخلد في النار.
  • وخسران ناقص، يقع للمسلم بحسب ما ضيعه من الطاعات وما ارتكبه من الذنوب.

قال الله تعالى:

﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾
[الزمر: 15].

فليست الخسارة الحقيقية في فقدان المال أو المنصب أو التجارة؛ وإنما الخسارة الكبرى أن يلقى العبد ربه وقد ضيع إيمانه وعمره وفرائضه.

قوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾

استثنى الله من الخسران من اتصف بأربع صفات، أولها الإيمان.

والإيمان في عقيدة أهل السنة والجماعة: قول باللسان، واعتقاد بالقلب، وعمل بالجوارح؛ يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية.

ويدخل في الإيمان: الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره، وما يتبع ذلك من قبول أخبار الوحي والانقياد لأحكامه.

ولا يكون الإيمان صحيحًا نافعًا إلا إذا قام على العلم؛ لأن الإنسان لا يستطيع الإيمان بما لا يعرفه. ولهذا بدأ الله بالإيمان قبل العمل، فالعلم والإيمان أصلان يقوم عليهما العمل الصالح.

قوله تعالى: ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾

لم يكتف الله بمجرد دعوى الإيمان، بل قرن الإيمان بالعمل الصالح؛ لأن الإيمان الصادق يظهر أثره على أقوال العبد وأعماله وأخلاقه.

والعمل الصالح هو ما تحقق فيه شرطان:

  1. الإخلاص لله تعالى، فلا يكون العمل رياءً ولا طلبًا لمدح الناس.
  2. متابعة النبي ﷺ، فلا يتقرب العبد إلى الله بالبدع والمحدثات.

قال تعالى:

﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾
[الكهف: 110].

والصالحات تشمل أداء الفرائض، وفي مقدمتها الصلاة والزكاة والصيام والحج، وتشمل بر الوالدين، وصلة الأرحام، والصدق، والأمانة، والإحسان إلى الخلق، وترك المحرمات.

قوله تعالى: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ﴾

أي: أوصى بعضهم بعضًا بالحق، وحث بعضهم بعضًا على معرفته واتباعه والثبات عليه.

والحق يشمل:

  • توحيد الله وإفراده بالعبادة.
  • اتباع الرسول ﷺ.
  • القيام بالفرائض.
  • اجتناب المحرمات.
  • الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
  • تعليم العلم النافع.
  • رد الباطل والبدع بالحجة والبيان.

والتعبير بـ﴿تَوَاصَوْا﴾ يدل على المشاركة؛ فالمؤمن ينصح غيره، ويقبل النصيحة ممن نصحه. فلا يرى نفسه مستغنيًا عن التذكير، ولا يحتقر من دله على خطئه.

وفي الآية بيان أن صلاح الإنسان لنفسه لا يكفي، بل يجب عليه أن يسعى ـ بحسب علمه وقدرته ـ في إصلاح غيره، بالحكمة والرحمة والعلم.

قوله تعالى: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾

لما كان القيام بالحق والدعوة إليه يعرض صاحبه للمشقة والأذى، أمر الله بالتواصي بالصبر.

والصبر ثلاثة أنواع:

  1. الصبر على طاعة الله، بالمداومة عليها.
  2. الصبر عن معصية الله، بكف النفس عنها.
  3. الصبر على أقدار الله المؤلمة، من غير تسخط ولا اعتراض.

ويدخل فيه الصبر على ما يلقاه الداعي إلى الله من مخالفة الناس وأذاهم. فلا بد لمن تعلم الحق وعمل به ودعا إليه أن يصبر؛ لأن طريق الدعوة والتمسك بالسنة يحتاج إلى ثبات وحلم وحسن توكل على الله.

وقد جمع الله بين الحق والصبر؛ لأن الحق من غير صبر قد يتركه صاحبه عند الشدائد، والصبر من غير معرفة الحق قد يكون صبرًا على باطل.

ثانيًا: الفوائد العقدية والفقهية والتربوية

الفوائد العقدية

  • إثبات أن الله يتكلم بما شاء، وأن القرآن كلامه سبحانه.
  • لله أن يقسم بما شاء من مخلوقاته، أما العباد فلا يقسمون إلا بالله.
  • الإيمان لا يصح بمجرد المعرفة أو القول، بل لا بد من اعتقاد القلب وقول اللسان وعمل الجوارح.
  • الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية.
  • العمل داخل في مسمى الإيمان عند أهل السنة والجماعة.
  • النجاة لا تحصل بالأماني والانتساب، وإنما بالإيمان الصادق والعمل الصالح.
  • العمل لا يكون مقبولًا إلا بالإخلاص والمتابعة.

الفوائد الفقهية والدعوية

  • وجوب تعلم ما يصحح به المسلم عقيدته وعبادته.
  • وجوب أداء الفرائض وترك المحرمات.
  • مشروعية النصيحة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
  • وجوب الدعوة إلى الله على بصيرة، لا بالجهل والهوى.
  • وجوب الصبر على الطاعة وعن المعصية وعلى أقدار الله.
  • بطلان البدع؛ لأن العمل الصالح لا يكون صالحًا إلا إذا وافق سنة النبي ﷺ.
  • ضرورة الجمع بين العلم والعمل والدعوة والصبر.

الفوائد التربوية

  • عمر الإنسان رأس ماله الحقيقي، وكل لحظة تمضي لا تعود.
  • من ضيع وقته فيما لا ينفع فقد عرّض نفسه للخسران.
  • المؤمن لا يعيش لنفسه وحدها، بل يحمل الخير إلى غيره.
  • النصيحة تكون متبادلة بين المسلمين، فلا يستكبر أحد عن قبول الحق.
  • طريق الاستقامة يحتاج إلى الصبر والمجاهدة.
  • المسلم يحاسب نفسه: ماذا تعلم؟ وبماذا عمل؟ وإلى أي خير دعا؟ وعلى أي أذى صبر؟
  • كثرة المال والأتباع والمناصب لا تمنع الخسران إذا فُقد الإيمان والعمل الصالح.
  • أعظم الربح أن يستثمر العبد عمره في طاعة الله.

مراتب النجاة التي جمعتها السورة

جمعت السورة منهج المسلم في أربع مراتب مترابطة:

  1. العلم والإيمان: في قوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾.
  2. العمل: في قوله: ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾.
  3. الدعوة والتعليم: في قوله: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ﴾.
  4. الصبر والثبات: في قوله: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾.

فمن جمع هذه الخصال نجا من الخسران، ومن نقص منها شيء نقص من نجاته بحسب ما فاته.

خاتمة

سورة العصر ميزان يزن به الإنسان حياته؛ فهي تذكره بأن عمره يمضي، وأنه لا ينجو بكثرة أمواله ولا بمنصبه ولا بنسبه، وإنما ينجو بإيمان صحيح، وعمل صالح، ودعوة إلى الحق، وصبر على طريق الاستقامة.

فالواجب على المسلم أن يحفظ وقته، ويتعلم دينه، ويعمل بعلمه، ويدعو إلى ربه بالحكمة، ويصبر حتى يلقاه.

نسأل الله تعالى أن يجعلنا من الذين آمنوا وعملوا الصالحات، وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر، وأن يحفظ أعمارنا من الضياع، ويختم لنا بالإيمان والعمل الصالح.

التفسير المأثور والتحرير العلمي لسورة العصر

مقدمة السورة

سورة العصر سورة مكية، عدد آياتها ثلاث، وكلماتها أربع عشرة كلمة، وحروفها ثمانٍ وستون حرفًا على المشهور في عدِّ الحروف. وهي من جوامع السور القرآنية؛ إذ جمعت في ألفاظ قليلة حقيقةَ حال الإنسان، وأسبابَ الخسران، وأصولَ النجاة في الدنيا والآخرة.

ومحور السورة هو: بيان أن جنس الإنسان واقع في الخسران، ولا ينجو منه إلا من جمع أربع خصال:

  1. الإيمان الصحيح.
  2. العمل الصالح.
  3. التواصي بالحق.
  4. التواصي بالصبر.

وقد نُقل عن الإمام الشافعي رحمه الله قوله: «لو تدبر الناس هذه السورة لوسعتهم».

ومعنى كلامه: أنها كافية في إقامة الحجة وبيان أصول طريق النجاة، لا أنها تغني عن بقية القرآن والسنة وما فيهما من تفاصيل الاعتقاد والشريعة.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله مبينًا ما اشتملت عليه السورة: إن الله أخبر أن جميع الناس خاسرون إلا من كمل نفسه بالإيمان والعمل الصالح، وكمل غيره بالتواصي بالحق والتواصي بالصبر.

وكان الصحابة رضي الله عنهم يعظمون شأنها؛

فعن أبي مدينة الدارمي رضي الله عنه قال:«كان الرجلان من أصحاب النبي ﷺ إذا التقيا لم يفترقا حتى يقرأ أحدهما على الآخر: ﴿وَالْعَصْرِ ۝ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾، ثم يسلم أحدهما على الآخر».

رواه الطبراني، وصححه الإمام الألباني رحمه الله.


أولًا: التفسير المأثور والتحرير العلمي للآيات

قوله تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ﴾

معنى العصر

أقسم الله تعالى بالعصر، وقد ذكر المفسرون من السلف في معناه أقوالًا، أشهرها:

  • أنه الدهر والزمان.
  • أنه العشي، وهو آخر النهار.
  • أنه صلاة العصر.
  • أنه عصر النبي ﷺ.

وأشمل هذه الأقوال وأقربها: أن المراد بالعصر مطلق الزمان والدهر، وهو قول رجحه جماعة من المفسرين؛ لأن الزمان وعاء أعمال الإنسان، وفيه تقع الطاعات والمعاصي، والأرباح والخسائر، وتتقلب أحوال الأمم والأفراد.

قال الإمام الطبري رحمه الله: الصواب أن يقال إن الله أقسم بالعصر، والعصر اسم للدهر والعشي والليل والنهار، ولم يخصص سبحانه بعض ذلك دون بعض، فكل ما صدق عليه اسم العصر داخل في القسم.

وذكر ابن كثير رحمه الله أن العصر هو الزمان الذي تقع فيه حركات بني آدم من خير وشر.

وقال السعدي رحمه الله:«أقسم تعالى بالعصر، الذي هو الليل والنهار، محل أفعال العباد وأعمالهم».

الحكمة من القسم بالعصر

أقسم الله بالزمان لما فيه من الآيات الدالة على كمال قدرته وحكمته:

  • تعاقب الليل والنهار.
  • تغير الأحوال والأجيال.
  • انقضاء الأعمار.
  • ظهور آثار أعمال الناس.
  • هلاك أمم وقيام أخرى.
  • وقوع الطاعات والمعاصي فيه.

والزمان هو رأس مال الإنسان؛ فما مضى منه لا يمكن استرجاعه، وما بقي منه لا يدري الإنسان هل يدركه أم لا.

قال الحسن البصري رحمه الله: «يا ابن آدم، إنما أنت أيام، كلما ذهب يوم ذهب بعضك».

فليس عمر الإنسان شيئًا منفصلًا عنه، بل كل ساعة تمضي إنما تذهب بجزء من حياته.

الله يقسم بما شاء من مخلوقاته

لله تعالى أن يقسم بما شاء من مخلوقاته؛ لأن مخلوقاته آيات دالة على عظمته وقدرته. أما العباد فلا يجوز لهم الحلف إلا بالله تعالى.

قال رسول الله ﷺ:«مَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاللَّهِ أَوْ لِيَصْمُتْ».

متفق عليه.

وقال ﷺ:«مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللَّهِ فَقَدْ كَفَرَ أَوْ أَشْرَكَ».

رواه أبو داود والترمذي، وصححه الإمام الألباني رحمه الله.

وهذا من الفروق بين حق الخالق وحق المخلوق؛ فالخالق يقسم بما شاء، وأما المخلوق فلا يقسم إلا بخالقه.


قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾

هذه الجملة جواب القسم؛ فقد أقسم الله بالعصر على أن الإنسان في خسر.

عموم لفظ الإنسان

الألف واللام في قوله: ﴿الْإِنْسَانَ﴾ للجنس، أي: إن جنس الإنسان واقع في الخسران، إلا من استثناهم الله بعد ذلك.

ولا يخرج أحد من هذا الحكم بمجرد نسبه أو ماله أو منصبه أو علمه أو انتسابه إلى طائفة، وإنما يخرج منه بتحقيق الصفات الأربع المذكورة في آخر السورة.

تأكيد وقوع الخسران

أكد الله هذا الحكم بعدة مؤكدات:

  • القسم في قوله: ﴿وَالْعَصْرِ﴾.
  • «إنَّ» المؤكدة.
  • اللام في قوله: ﴿لَفِي﴾.
  • التعبير بالظرفية: ﴿فِي خُسْرٍ﴾.

فلم يقل: «إن الإنسان لخاسر»، بل قال: ﴿لَفِي خُسْرٍ﴾، كأن الخسران ظرف يحيط بالإنسان من جميع جهاته.

معنى الخسر

الخسر هو النقصان وذهاب رأس المال. ورأس مال الإنسان الحقيقي هو عمره؛ فإن أنفقه في طاعة الله ربح، وإن أنفقه في الكفر والمعاصي والغفلة خسر.

والخسران نوعان:

الخسران الكامل

وهو خسران الكفار والمنافقين الذين خسروا الإيمان والجنة، واستحقوا الخلود في النار.

قال الله تعالى:

﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾
[الزمر: 15].

وقال سبحانه:

﴿وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ﴾
[المؤمنون: 103].

الخسران الناقص

وهو ما يصيب المسلم بسبب تقصيره في بعض الواجبات، أو وقوعه في بعض المحرمات، أو تضييعه لشيء من عمره فيما لا ينفعه.

فالناس متفاوتون في الخسران كما أنهم متفاوتون في تحقيق الإيمان والعمل الصالح.

قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله: الخسارة قد تكون خسارة مطلقة، وهي خسارة من خسر الدنيا والآخرة، وقد تكون خسارة من بعض الوجوه دون بعض، ولهذا عمم الله الخسار لكل إنسان إلا من اتصف بهذه الصفات الأربع.

حقيقة الربح والخسارة

ليست الخسارة الحقيقية في فوات المال أو التجارة أو المنصب؛ فقد يفقد الإنسان شيئًا من الدنيا ويكون رابحًا عند الله. وإنما الخسارة الكبرى أن ينقضي عمره وهو معرض عن الله، مضيع لفرائضه، متبع لهواه.

قال تعالى:

﴿هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا ۝ الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾
[الكهف: 103-104].


قوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾

هذا استثناء من الخسران العام. وأول أسباب النجاة هو الإيمان؛ لأنه أصل الأعمال وأساس قبولها.

حقيقة الإيمان عند أهل السنة والجماعة

الإيمان عند أهل السنة والجماعة: اعتقاد بالقلب، وقول باللسان، وعمل بالجوارح؛ يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية.

وهذا هو الذي دل عليه الكتاب والسنة وأقوال الصحابة والتابعين.

قال الإمام البخاري رحمه الله:«لقيت أكثر من ألف رجل من أهل العلم بالأمصار، فما رأيت أحدًا منهم يختلف في أن الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص».

وقال الإمام الشافعي رحمه الله: «وكان الإجماع من الصحابة والتابعين من بعدهم ممن أدركناهم: أن الإيمان قول وعمل ونية، لا يجزئ واحد من الثلاثة إلا بالآخر».

فليس الإيمان مجرد المعرفة؛ لأن إبليس كان يعرف ربه، ولم تنفعه معرفته مع كبره ومعصيته. وليس مجرد التصديق؛ لأن المشركين كانوا يعلمون صدق النبي ﷺ في أنفسهم، ولكنهم استكبروا عن اتباعه.

قال تعالى:

﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾
[الأنعام: 33].

أصول الإيمان

يدخل في الإيمان:

  • الإيمان بالله تعالى.
  • الإيمان بملائكته.
  • الإيمان بكتبه.
  • الإيمان برسله.
  • الإيمان باليوم الآخر.
  • الإيمان بالقدر خيره وشره.

كما يدخل فيه الإيمان بكل ما أخبر الله به ورسوله ﷺ، وقبول أحكام الشريعة والانقياد لها ظاهرًا وباطنًا.

الإيمان مبني على العلم

لا يتحقق الإيمان الصحيح إلا بالعلم؛ لأن الإنسان لا يؤمن بما يجهله.

قال الله تعالى:

﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾
[محمد: 19].

فبدأ بالعلم قبل القول والعمل.

ولهذا استدل الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله بسورة العصر على وجوب تعلم أربع مسائل:

  1. العلم.
  2. العمل به.
  3. الدعوة إليه.
  4. الصبر على الأذى فيه.

فالإيمان المذكور في السورة يتضمن العلم بالله ودينه ونبيه ﷺ.


قوله تعالى: ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾

قرن الله الإيمان بالعمل الصالح في مواضع كثيرة من القرآن؛ لأن الإيمان الصادق لا بد أن يظهر أثره في عمل الجوارح.

معنى العمل الصالح

العمل الصالح هو العمل الذي جمع شرطين:

  1. الإخلاص لله تعالى.
  2. موافقة سنة رسول الله ﷺ.

قال الفضيل بن عياض رحمه الله في تفسير قوله تعالى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾:«أخلصه وأصوبه».

قيل: يا أبا علي، ما أخلصه وأصوبه؟ فقال:«إن العمل إذا كان خالصًا ولم يكن صوابًا لم يُقبل، وإذا كان صوابًا ولم يكن خالصًا لم يُقبل، حتى يكون خالصًا صوابًا؛ والخالص أن يكون لله، والصواب أن يكون على السنة».

وقال تعالى:

﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾
[الكهف: 110].

وقال النبي ﷺ:«مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ».

متفق عليه.

وفي رواية لمسلم:«مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ».

شمول الصالحات

قوله: ﴿الصَّالِحَاتِ﴾ جمع محلى بالألف واللام، فيفيد العموم؛ فيدخل فيه كل عمل يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة، مثل:

  • التوحيد والإخلاص.
  • الصلاة والزكاة.
  • الصيام والحج.
  • بر الوالدين.
  • صلة الأرحام.
  • الصدق والأمانة.
  • حفظ اللسان.
  • الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
  • الإحسان إلى الخلق.
  • التوبة والاستغفار.
  • الخوف والرجاء والتوكل والمحبة.

كما يدخل في العمل الصالح ترك المحرمات؛ فإن ترك المعصية لله عبادة يؤجر عليها العبد.

الرد على المرجئة

ترد الآية على المرجئة الذين أخرجوا العمل من مسمى الإيمان؛ فإن الله قرن الإيمان بالعمل الصالح، وجعل النجاة مرتبطة بهما معًا.

ولا يعني العطف أن العمل منفصل عن حقيقة الإيمان؛ فقد يُعطف الخاص على العام لإظهار أهميته، كما في قوله تعالى:

﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾
[البقرة: 98].

وجبريل وميكال داخلان في الملائكة، ومع ذلك عطفهما الله تنويهًا بشأنهما.

فالعمل من الإيمان، والإيمان من غير عمل الجوارح بالكلية دعوى باطلة تخالف نصوص الكتاب والسنة وإجماع السلف.


قوله تعالى: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ﴾

أي: أوصى بعضهم بعضًا بالحق، وحث بعضهم بعضًا على معرفته واتباعه والثبات عليه.

معنى الحق

الحق يشمل الدين كله، وأعظمه:

  • توحيد الله وإخلاص العبادة له.
  • اتباع النبي ﷺ.
  • التمسك بالكتاب والسنة.
  • أداء الفرائض.
  • اجتناب المحرمات.
  • لزوم جماعة المسلمين.
  • الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
  • رد الشرك والبدع والشبهات.
  • التحذير من المعاصي والفتن.
  • العدل والصدق وأداء الأمانات.

قال تعالى:

﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ﴾
[الكهف: 29].

وقال سبحانه:

﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ۝ صِرَاطِ اللَّهِ﴾
[الشورى: 52-53].

فالحق ما جاء في كتاب الله وصح عن رسول الله ﷺ وفهمه الصحابة رضي الله عنهم، وليس الحق ما استحسنه الناس بعقولهم أو وافق أهواءهم.

دلالة لفظ التواصي

قال تعالى: ﴿وَتَوَاصَوْا﴾، ولم يقل: «وأوصوا»، وفي ذلك دلالة على أن النصيحة متبادلة بين المؤمنين؛ فكل واحد منهم يوصي غيره بالحق ويقبل الوصية منه.

فالعالم يذكّر المتعلم، وقد يذكّر المتعلم العالم بما نسي. والكبير ينصح الصغير، وقد يسمع الكبير الحق ممن هو أصغر منه. ولا يستكبر المؤمن عن قبول النصيحة؛ لأن المقصود اتباع الحق، لا الانتصار للنفس.

قال تعالى:

﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾
[الذاريات: 55].

وقال النبي ﷺ:«الدِّينُ النَّصِيحَةُ».

قلنا: لمن؟ قال:«لِلَّهِ، وَلِكِتَابِهِ، وَلِرَسُولِهِ، وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ».

رواه مسلم.

وجوب الدعوة على علم

التواصي بالحق يجب أن يكون بالعلم والبصيرة، لا بالجهل والعاطفة والهوى.

قال تعالى:

﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾
[يوسف: 108].

فمن دعا بغير علم قد يحلل الحرام، أو يحرم الحلال، أو ينسب إلى الله ما لم يقله، فيفسد أكثر مما يصلح.

وقال الإمام ابن سيرين رحمه الله:

«إن هذا العلم دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم».

وقال الشيخ ابن باز رحمه الله: الواجب على الداعية أن يكون على بصيرة فيما يدعو إليه وفيما ينهى عنه، وأن يقصد وجه الله، وأن يستعمل الحكمة والأسلوب الحسن.


قوله تعالى: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾

لما كان الإيمان والعمل والدعوة إلى الحق لا تقوم إلا بالصبر، ختم الله السورة بالتواصي به.

معنى الصبر

الصبر في اللغة هو الحبس والمنع. وفي الشرع: حبس النفس على طاعة الله، وحبسها عن معصيته، وحبسها عن التسخط على أقداره المؤلمة.

أنواع الصبر

الصبر على طاعة الله

وذلك بالمداومة على الطاعات، وتحمل ما قد يصاحبها من مشقة، كالمحافظة على الصلاة، وطلب العلم، وبر الوالدين، والدعوة إلى الله.

قال تعالى:

﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ﴾
[مريم: 65].

الصبر عن معصية الله

وهو أن يمنع العبد نفسه عما حرم الله، ولو مالت إليه نفسه أو سهلت أسبابه.

وقد قال يوسف عليه السلام:

﴿مَعَاذَ اللَّهِ﴾
[يوسف: 23].

فالصبر عن المعصية يحتاج إلى إيمان ومراقبة لله، ولا سيما عند الخلوة ووجود دواعي الفتنة.

الصبر على أقدار الله المؤلمة

ويكون بحبس اللسان عن الاعتراض، والقلب عن التسخط، والجوارح عن الأفعال المحرمة.

قال تعالى:

﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ ۝ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾
[البقرة: 155-156].

الصبر على الدعوة إلى الحق

يحتاج الداعي إلى الصبر على:

  • تعلم العلم.
  • العمل به.
  • دعوة الناس إليه.
  • جهل الجاهلين.
  • اعتراض المخالفين.
  • أذى أهل الباطل.
  • بطء ظهور نتائج الدعوة.

قال تعالى لنبيه ﷺ:

﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾
[الأحقاف: 35].

وقال لقمان لابنه:

﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ﴾
[لقمان: 17].

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:«لا بد للإنسان من ثلاثة أشياء: أن يأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر، ويصبر على ما يصيبه».

الجمع بين الحق والصبر

جمع الله بين الحق والصبر؛ لأن الحق ثقيل على النفوس المخالفة، والدعوة إليه تعرض صاحبها للأذى.

فالحق بلا صبر قد يتركه صاحبه عند أول فتنة، والصبر بلا حق قد يكون صبرًا على بدعة أو معصية. فلا بد من معرفة الحق، والعمل به، والثبات عليه.


ثانيًا: الفوائد العقدية والفقهية والتربوية

الفوائد العقدية والمنهجية

  1. القرآن كلام الله تعالى، تكلم به حقيقة، وأنزله هداية للناس.
  2. لله تعالى أن يقسم بما شاء من مخلوقاته، ولا يجوز للعبد أن يحلف إلا بالله.
  3. الناس جميعًا في خسران إلا من حقق أسباب النجاة.
  4. الإيمان قول واعتقاد وعمل، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية.
  5. الرد على المرجئة الذين يفصلون العمل عن الإيمان.
  6. الرد على من يزعم أن مجرد المعرفة أو الانتساب إلى الإسلام يكفي للنجاة.
  7. العمل الصالح لا يقبل إلا بالإخلاص والمتابعة.
  8. وجوب اتباع الكتاب والسنة بفهم الصحابة وسلف الأمة.
  9. بطلان الطرق المحدثة في الدين؛ لأن العمل لا يكون صالحًا إلا إذا وافق السنة.
  10. الناس متفاوتون في الإيمان والخسران بحسب علمهم وأعمالهم.
  11. النجاة فضل من الله، ولها أسباب شرعية لا بد من تحقيقها.
  12. العلم وحده من غير عمل حجة على صاحبه، والعمل بغير علم ضلال وانحراف.

الفوائد الفقهية والدعوية

  1. وجوب تعلم ما يحتاج إليه المسلم من عقيدته وعبادته.
  2. وجوب العمل بالعلم.
  3. مشروعية الدعوة إلى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
  4. تحريم القول على الله بغير علم.
  5. وجوب الإخلاص في الدعوة والعبادة.
  6. وجوب اتباع النبي ﷺ والحذر من البدع.
  7. مشروعية النصيحة بين المسلمين.
  8. ضرورة قبول الحق ممن جاء به.
  9. وجوب الصبر على الطاعات وعن المحرمات.
  10. وجوب الصبر على أذى الدعوة بحسب الاستطاعة.
  11. أن الداعية يبدأ بإصلاح نفسه قبل دعوة غيره.
  12. أن الدعوة لا تقوم على الحزبية والتعصب للأشخاص، وإنما تقوم على الحق والدليل.

الفوائد التربوية

  1. الوقت نعمة عظيمة يجب حفظها.
  2. عمر الإنسان رأس ماله الحقيقي.
  3. كل يوم يمضي ينقص من عمر العبد.
  4. الغفلة عن الآخرة من أعظم أسباب الخسران.
  5. المؤمن يجمع بين إصلاح نفسه وإصلاح غيره.
  6. لا يستغني الإنسان عن النصيحة مهما بلغ علمه.
  7. العلم النافع هو الذي يورث العمل والخشية.
  8. طريق الاستقامة يحتاج إلى صبر ومجاهدة.
  9. معيار النجاح ليس المال والمنصب والشهرة، وإنما الإيمان والعمل الصالح.
  10. ينبغي للمسلم أن يحاسب نفسه على ساعات عمره.
  11. العمل القليل مع الإخلاص والمتابعة خير من عمل كثير دخله الرياء أو الابتداع.
  12. المسلم ثابت على الحق، لا تغيره كثرة المخالفين.

مراتب النجاة في السورة

جمعت السورة أربع مراتب متكاملة:

المرتبة دليلها من السورة معناها
العلم والإيمان ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ معرفة الحق واعتقاده والانقياد له
العمل ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ تطبيق ما تعلمه العبد بإخلاص ومتابعة
الدعوة ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ﴾ تعليم الحق ونشره والنصيحة به
الصبر ﴿وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ الثبات على العلم والعمل والدعوة

وهذه المراتب هي التي ذكرها الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله في مقدمة «الأصول الثلاثة»؛ فاستدل بسورة العصر على وجوب تعلم العلم، والعمل به، والدعوة إليه، والصبر على الأذى فيه.


الرد على بعض الانحرافات في ضوء السورة

الرد على المرجئة

تدل السورة على أن مجرد دعوى الإيمان لا تكفي، بل لا بد من العمل الصالح. فالإيمان الذي لا يظهر له أثر على الجوارح إيمان ناقص، وأما زوال جنس عمل الجوارح مع القدرة والتمكن فليس هو إيمان السلف الذي دل عليه الكتاب والسنة.

الرد على المتصوفة المنحرفين

تدل السورة على أن طريق النجاة هو الإيمان الصحيح والعمل الصالح الموافق للسنة، لا الأذواق والمنامات والبدع والأوراد المخترعة.

فكل عبادة لم يشرعها الله ورسوله ﷺ فهي مردودة، مهما استحسنها أصحابها.

الرد على دعاة وحدة الأديان

قوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ يدل على أن النجاة مرتبطة بالإيمان الذي جاء به محمد ﷺ، فلا يكون من سمع برسالته ثم رفضها مؤمنًا ناجيًا.

قال النبي ﷺ: «وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَا يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ، يَهُودِيٌّ وَلَا نَصْرَانِيٌّ، ثُمَّ يَمُوتُ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ، إِلَّا كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ».

رواه مسلم.

الرد على أهل البدع

العمل لا يسمى صالحًا لمجرد حسن قصد صاحبه، بل لا بد أن يكون موافقًا لسنة النبي ﷺ. فحسن النية لا يصحح العمل المبتدع.

قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه:«وكم من مريد للخير لن يصيبه».

رواه الدارمي.

الرد على المتصدرين بغير علم

قوله تعالى: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ﴾ لا يبيح للجاهل أن يتكلم في دين الله بما لا يعلم؛ لأن معرفة الحق مقدمة على الدعوة إليه.

قال تعالى:

﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾
[الإسراء: 36].

وقال سبحانه:

﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾
[الأعراف: 33].

فمن تصدر للفتوى أو التفسير أو الحكم على الناس بغير علم فقد عرض نفسه للإثم وأضل غيره.


الخلاصة الجامعة

اشتملت سورة العصر على منهج حياة كامل:

  • يعرف المسلم الحق فيؤمن به.
  • يعمل بما علم.
  • يدعو غيره إليه.
  • يصبر على ذلك حتى يلقى الله.

قال الشيخ السعدي رحمه الله: «فبالأمرين الأولين يكمل الإنسان نفسه، وبالأمرين الأخيرين يكمل غيره، وبتكميل الأمور الأربعة يكون الإنسان قد سلم من الخسار، وفاز بالربح العظيم».

فالإنسان الذي تعلم ولم يعمل ناقص، والذي عمل ولم يدع غيره فاته كمال عظيم، والذي دعا ولم يصبر انقطع عن الطريق، والذي تكلم بغير علم لم يكن متواصيًا بالحق، بل قد يكون داعيًا إلى الباطل وهو لا يشعر.

خاتمة

سورة العصر، مع قصرها، وضعت للإنسان ميزانًا دقيقًا يحاسب به نفسه:

  • هل صح إيمانه؟
  • هل وافق عمله السنة؟
  • هل دعا إلى الحق بعلم وحكمة؟
  • هل صبر على الطاعة وعن المعصية وعلى أقدار الله؟
  • هل حفظ عمره من الضياع؟

فكل لحظة تمر تقرب الإنسان من أجله، والسعيد من جعل أيامه مراحل إلى رضوان الله، والشقي من أضاع عمره ثم ندم حين لا ينفع الندم.

نسأل الله تعالى أن يجعلنا من الذين آمنوا وعملوا الصالحات، وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر، وأن يرزقنا العلم النافع والعمل الصالح والإخلاص والثبات على السنة، وأن يحفظ أوقاتنا من الضياع، ويختم لنا بالتوحيد والإيمان.

وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

كتبه الشيخ الدكتور أبو إسلام سليم بن علي حسان بليدي حفظه الله تعالى 

الكلمة الشهرية
دكتوراه الشريعة الإسلامية: معناها ومكانتها العلمية

أقرأ المزيد
القائمة البريدية