سورة العصر سورة مكية، وعدد آياتها ثلاث آيات، وهي من السور الجامعة لأصول النجاة والسعادة في الدنيا والآخرة؛ فقد بيَّنت أن الإنسان محكوم عليه بالخسران، إلا من حقق أربع خصال عظيمة: الإيمان، والعمل الصالح، والتواصي بالحق، والتواصي بالصبر.
قال الله تعالى:
﴿وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾.
وقد نُقل عن الإمام الشافعي رحمه الله أنه قال في بيان عظيم شأنها: «لو تدبر الناس هذه السورة لوسعتهم»، أي: لكفتهم في بيان طريق النجاة، لا أنها تغني عن سائر القرآن وأحكام الشريعة.
أقسم الله تعالى بالعصر، وهو الزمن الذي تجري فيه أعمال بني آدم، وتتقلب فيه أحوالهم، وتنقضي فيه أعمارهم. والزمان ميدان العمل، ورأس مال الإنسان؛ فما مضى منه لا يعود، وما بقي منه لا يملكه العبد ولا يدري هل يدركه أم لا.
وأقسم الله بالعصر لما فيه من الدلالة على قدرته وحكمته؛ ففيه تعاقب الليل والنهار، وتغير الأحوال، وذهاب الأمم ومجيء غيرها، وفيه تقع الطاعات والمعاصي، والأرباح والخسائر.
ولله تعالى أن يقسم بما شاء من مخلوقاته؛ لأنها آيات دالة على عظمته. أما المخلوق فلا يجوز له أن يقسم إلا بالله، لقول النبي ﷺ:
«مَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاللَّهِ أَوْ لِيَصْمُتْ».
متفق عليه.
هذا هو جواب القسم. وقد أكده الله بثلاثة مؤكدات:
و«الإنسان» هنا عام يشمل جنس بني آدم؛ فالأصل في الناس أنهم في نقصان وهلاك وخسران، لأن أعمارهم تنقضي، وأيامهم تذهب، ومن لم يعمرها بطاعة الله كانت حجة عليه يوم القيامة.
والخسران مراتب:
قال الله تعالى:
﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾
[الزمر: 15].
فليست الخسارة الحقيقية في فقدان المال أو المنصب أو التجارة؛ وإنما الخسارة الكبرى أن يلقى العبد ربه وقد ضيع إيمانه وعمره وفرائضه.
استثنى الله من الخسران من اتصف بأربع صفات، أولها الإيمان.
والإيمان في عقيدة أهل السنة والجماعة: قول باللسان، واعتقاد بالقلب، وعمل بالجوارح؛ يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية.
ويدخل في الإيمان: الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره، وما يتبع ذلك من قبول أخبار الوحي والانقياد لأحكامه.
ولا يكون الإيمان صحيحًا نافعًا إلا إذا قام على العلم؛ لأن الإنسان لا يستطيع الإيمان بما لا يعرفه. ولهذا بدأ الله بالإيمان قبل العمل، فالعلم والإيمان أصلان يقوم عليهما العمل الصالح.
لم يكتف الله بمجرد دعوى الإيمان، بل قرن الإيمان بالعمل الصالح؛ لأن الإيمان الصادق يظهر أثره على أقوال العبد وأعماله وأخلاقه.
والعمل الصالح هو ما تحقق فيه شرطان:
قال تعالى:
﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾
[الكهف: 110].
والصالحات تشمل أداء الفرائض، وفي مقدمتها الصلاة والزكاة والصيام والحج، وتشمل بر الوالدين، وصلة الأرحام، والصدق، والأمانة، والإحسان إلى الخلق، وترك المحرمات.
أي: أوصى بعضهم بعضًا بالحق، وحث بعضهم بعضًا على معرفته واتباعه والثبات عليه.
والحق يشمل:
والتعبير بـ﴿تَوَاصَوْا﴾ يدل على المشاركة؛ فالمؤمن ينصح غيره، ويقبل النصيحة ممن نصحه. فلا يرى نفسه مستغنيًا عن التذكير، ولا يحتقر من دله على خطئه.
وفي الآية بيان أن صلاح الإنسان لنفسه لا يكفي، بل يجب عليه أن يسعى ـ بحسب علمه وقدرته ـ في إصلاح غيره، بالحكمة والرحمة والعلم.
لما كان القيام بالحق والدعوة إليه يعرض صاحبه للمشقة والأذى، أمر الله بالتواصي بالصبر.
والصبر ثلاثة أنواع:
ويدخل فيه الصبر على ما يلقاه الداعي إلى الله من مخالفة الناس وأذاهم. فلا بد لمن تعلم الحق وعمل به ودعا إليه أن يصبر؛ لأن طريق الدعوة والتمسك بالسنة يحتاج إلى ثبات وحلم وحسن توكل على الله.
وقد جمع الله بين الحق والصبر؛ لأن الحق من غير صبر قد يتركه صاحبه عند الشدائد، والصبر من غير معرفة الحق قد يكون صبرًا على باطل.
جمعت السورة منهج المسلم في أربع مراتب مترابطة:
فمن جمع هذه الخصال نجا من الخسران، ومن نقص منها شيء نقص من نجاته بحسب ما فاته.
سورة العصر ميزان يزن به الإنسان حياته؛ فهي تذكره بأن عمره يمضي، وأنه لا ينجو بكثرة أمواله ولا بمنصبه ولا بنسبه، وإنما ينجو بإيمان صحيح، وعمل صالح، ودعوة إلى الحق، وصبر على طريق الاستقامة.
فالواجب على المسلم أن يحفظ وقته، ويتعلم دينه، ويعمل بعلمه، ويدعو إلى ربه بالحكمة، ويصبر حتى يلقاه.
نسأل الله تعالى أن يجعلنا من الذين آمنوا وعملوا الصالحات، وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر، وأن يحفظ أعمارنا من الضياع، ويختم لنا بالإيمان والعمل الصالح.
سورة العصر سورة مكية، عدد آياتها ثلاث، وكلماتها أربع عشرة كلمة، وحروفها ثمانٍ وستون حرفًا على المشهور في عدِّ الحروف. وهي من جوامع السور القرآنية؛ إذ جمعت في ألفاظ قليلة حقيقةَ حال الإنسان، وأسبابَ الخسران، وأصولَ النجاة في الدنيا والآخرة.
ومحور السورة هو: بيان أن جنس الإنسان واقع في الخسران، ولا ينجو منه إلا من جمع أربع خصال:
وقد نُقل عن الإمام الشافعي رحمه الله قوله: «لو تدبر الناس هذه السورة لوسعتهم».
ومعنى كلامه: أنها كافية في إقامة الحجة وبيان أصول طريق النجاة، لا أنها تغني عن بقية القرآن والسنة وما فيهما من تفاصيل الاعتقاد والشريعة.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله مبينًا ما اشتملت عليه السورة: إن الله أخبر أن جميع الناس خاسرون إلا من كمل نفسه بالإيمان والعمل الصالح، وكمل غيره بالتواصي بالحق والتواصي بالصبر.
وكان الصحابة رضي الله عنهم يعظمون شأنها؛
فعن أبي مدينة الدارمي رضي الله عنه قال:«كان الرجلان من أصحاب النبي ﷺ إذا التقيا لم يفترقا حتى يقرأ أحدهما على الآخر: ﴿وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾، ثم يسلم أحدهما على الآخر».
رواه الطبراني، وصححه الإمام الألباني رحمه الله.
أقسم الله تعالى بالعصر، وقد ذكر المفسرون من السلف في معناه أقوالًا، أشهرها:
وأشمل هذه الأقوال وأقربها: أن المراد بالعصر مطلق الزمان والدهر، وهو قول رجحه جماعة من المفسرين؛ لأن الزمان وعاء أعمال الإنسان، وفيه تقع الطاعات والمعاصي، والأرباح والخسائر، وتتقلب أحوال الأمم والأفراد.
قال الإمام الطبري رحمه الله: الصواب أن يقال إن الله أقسم بالعصر، والعصر اسم للدهر والعشي والليل والنهار، ولم يخصص سبحانه بعض ذلك دون بعض، فكل ما صدق عليه اسم العصر داخل في القسم.
وذكر ابن كثير رحمه الله أن العصر هو الزمان الذي تقع فيه حركات بني آدم من خير وشر.
وقال السعدي رحمه الله:«أقسم تعالى بالعصر، الذي هو الليل والنهار، محل أفعال العباد وأعمالهم».
أقسم الله بالزمان لما فيه من الآيات الدالة على كمال قدرته وحكمته:
والزمان هو رأس مال الإنسان؛ فما مضى منه لا يمكن استرجاعه، وما بقي منه لا يدري الإنسان هل يدركه أم لا.
قال الحسن البصري رحمه الله: «يا ابن آدم، إنما أنت أيام، كلما ذهب يوم ذهب بعضك».
فليس عمر الإنسان شيئًا منفصلًا عنه، بل كل ساعة تمضي إنما تذهب بجزء من حياته.
لله تعالى أن يقسم بما شاء من مخلوقاته؛ لأن مخلوقاته آيات دالة على عظمته وقدرته. أما العباد فلا يجوز لهم الحلف إلا بالله تعالى.
قال رسول الله ﷺ:«مَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاللَّهِ أَوْ لِيَصْمُتْ».
متفق عليه.
وقال ﷺ:«مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللَّهِ فَقَدْ كَفَرَ أَوْ أَشْرَكَ».
رواه أبو داود والترمذي، وصححه الإمام الألباني رحمه الله.
وهذا من الفروق بين حق الخالق وحق المخلوق؛ فالخالق يقسم بما شاء، وأما المخلوق فلا يقسم إلا بخالقه.
هذه الجملة جواب القسم؛ فقد أقسم الله بالعصر على أن الإنسان في خسر.
الألف واللام في قوله: ﴿الْإِنْسَانَ﴾ للجنس، أي: إن جنس الإنسان واقع في الخسران، إلا من استثناهم الله بعد ذلك.
ولا يخرج أحد من هذا الحكم بمجرد نسبه أو ماله أو منصبه أو علمه أو انتسابه إلى طائفة، وإنما يخرج منه بتحقيق الصفات الأربع المذكورة في آخر السورة.
أكد الله هذا الحكم بعدة مؤكدات:
فلم يقل: «إن الإنسان لخاسر»، بل قال: ﴿لَفِي خُسْرٍ﴾، كأن الخسران ظرف يحيط بالإنسان من جميع جهاته.
الخسر هو النقصان وذهاب رأس المال. ورأس مال الإنسان الحقيقي هو عمره؛ فإن أنفقه في طاعة الله ربح، وإن أنفقه في الكفر والمعاصي والغفلة خسر.
والخسران نوعان:
وهو خسران الكفار والمنافقين الذين خسروا الإيمان والجنة، واستحقوا الخلود في النار.
قال الله تعالى:
﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾
[الزمر: 15].
وقال سبحانه:
﴿وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ﴾
[المؤمنون: 103].
وهو ما يصيب المسلم بسبب تقصيره في بعض الواجبات، أو وقوعه في بعض المحرمات، أو تضييعه لشيء من عمره فيما لا ينفعه.
فالناس متفاوتون في الخسران كما أنهم متفاوتون في تحقيق الإيمان والعمل الصالح.
قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله: الخسارة قد تكون خسارة مطلقة، وهي خسارة من خسر الدنيا والآخرة، وقد تكون خسارة من بعض الوجوه دون بعض، ولهذا عمم الله الخسار لكل إنسان إلا من اتصف بهذه الصفات الأربع.
ليست الخسارة الحقيقية في فوات المال أو التجارة أو المنصب؛ فقد يفقد الإنسان شيئًا من الدنيا ويكون رابحًا عند الله. وإنما الخسارة الكبرى أن ينقضي عمره وهو معرض عن الله، مضيع لفرائضه، متبع لهواه.
قال تعالى:
﴿هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾
[الكهف: 103-104].
هذا استثناء من الخسران العام. وأول أسباب النجاة هو الإيمان؛ لأنه أصل الأعمال وأساس قبولها.
الإيمان عند أهل السنة والجماعة: اعتقاد بالقلب، وقول باللسان، وعمل بالجوارح؛ يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية.
وهذا هو الذي دل عليه الكتاب والسنة وأقوال الصحابة والتابعين.
قال الإمام البخاري رحمه الله:«لقيت أكثر من ألف رجل من أهل العلم بالأمصار، فما رأيت أحدًا منهم يختلف في أن الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص».
وقال الإمام الشافعي رحمه الله: «وكان الإجماع من الصحابة والتابعين من بعدهم ممن أدركناهم: أن الإيمان قول وعمل ونية، لا يجزئ واحد من الثلاثة إلا بالآخر».
فليس الإيمان مجرد المعرفة؛ لأن إبليس كان يعرف ربه، ولم تنفعه معرفته مع كبره ومعصيته. وليس مجرد التصديق؛ لأن المشركين كانوا يعلمون صدق النبي ﷺ في أنفسهم، ولكنهم استكبروا عن اتباعه.
قال تعالى:
﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾
[الأنعام: 33].
يدخل في الإيمان:
كما يدخل فيه الإيمان بكل ما أخبر الله به ورسوله ﷺ، وقبول أحكام الشريعة والانقياد لها ظاهرًا وباطنًا.
لا يتحقق الإيمان الصحيح إلا بالعلم؛ لأن الإنسان لا يؤمن بما يجهله.
قال الله تعالى:
﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾
[محمد: 19].
فبدأ بالعلم قبل القول والعمل.
ولهذا استدل الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله بسورة العصر على وجوب تعلم أربع مسائل:
فالإيمان المذكور في السورة يتضمن العلم بالله ودينه ونبيه ﷺ.
قرن الله الإيمان بالعمل الصالح في مواضع كثيرة من القرآن؛ لأن الإيمان الصادق لا بد أن يظهر أثره في عمل الجوارح.
العمل الصالح هو العمل الذي جمع شرطين:
قال الفضيل بن عياض رحمه الله في تفسير قوله تعالى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾:«أخلصه وأصوبه».
قيل: يا أبا علي، ما أخلصه وأصوبه؟ فقال:«إن العمل إذا كان خالصًا ولم يكن صوابًا لم يُقبل، وإذا كان صوابًا ولم يكن خالصًا لم يُقبل، حتى يكون خالصًا صوابًا؛ والخالص أن يكون لله، والصواب أن يكون على السنة».
وقال تعالى:
﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾
[الكهف: 110].
وقال النبي ﷺ:«مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ».
متفق عليه.
وفي رواية لمسلم:«مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ».
قوله: ﴿الصَّالِحَاتِ﴾ جمع محلى بالألف واللام، فيفيد العموم؛ فيدخل فيه كل عمل يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة، مثل:
كما يدخل في العمل الصالح ترك المحرمات؛ فإن ترك المعصية لله عبادة يؤجر عليها العبد.
ترد الآية على المرجئة الذين أخرجوا العمل من مسمى الإيمان؛ فإن الله قرن الإيمان بالعمل الصالح، وجعل النجاة مرتبطة بهما معًا.
ولا يعني العطف أن العمل منفصل عن حقيقة الإيمان؛ فقد يُعطف الخاص على العام لإظهار أهميته، كما في قوله تعالى:
﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾
[البقرة: 98].
وجبريل وميكال داخلان في الملائكة، ومع ذلك عطفهما الله تنويهًا بشأنهما.
فالعمل من الإيمان، والإيمان من غير عمل الجوارح بالكلية دعوى باطلة تخالف نصوص الكتاب والسنة وإجماع السلف.
أي: أوصى بعضهم بعضًا بالحق، وحث بعضهم بعضًا على معرفته واتباعه والثبات عليه.
الحق يشمل الدين كله، وأعظمه:
قال تعالى:
﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ﴾
[الكهف: 29].
وقال سبحانه:
﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ صِرَاطِ اللَّهِ﴾
[الشورى: 52-53].
فالحق ما جاء في كتاب الله وصح عن رسول الله ﷺ وفهمه الصحابة رضي الله عنهم، وليس الحق ما استحسنه الناس بعقولهم أو وافق أهواءهم.
قال تعالى: ﴿وَتَوَاصَوْا﴾، ولم يقل: «وأوصوا»، وفي ذلك دلالة على أن النصيحة متبادلة بين المؤمنين؛ فكل واحد منهم يوصي غيره بالحق ويقبل الوصية منه.
فالعالم يذكّر المتعلم، وقد يذكّر المتعلم العالم بما نسي. والكبير ينصح الصغير، وقد يسمع الكبير الحق ممن هو أصغر منه. ولا يستكبر المؤمن عن قبول النصيحة؛ لأن المقصود اتباع الحق، لا الانتصار للنفس.
قال تعالى:
﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾
[الذاريات: 55].
وقال النبي ﷺ:«الدِّينُ النَّصِيحَةُ».
قلنا: لمن؟ قال:«لِلَّهِ، وَلِكِتَابِهِ، وَلِرَسُولِهِ، وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ».
رواه مسلم.
التواصي بالحق يجب أن يكون بالعلم والبصيرة، لا بالجهل والعاطفة والهوى.
قال تعالى:
﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾
[يوسف: 108].
فمن دعا بغير علم قد يحلل الحرام، أو يحرم الحلال، أو ينسب إلى الله ما لم يقله، فيفسد أكثر مما يصلح.
وقال الإمام ابن سيرين رحمه الله:
«إن هذا العلم دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم».
وقال الشيخ ابن باز رحمه الله: الواجب على الداعية أن يكون على بصيرة فيما يدعو إليه وفيما ينهى عنه، وأن يقصد وجه الله، وأن يستعمل الحكمة والأسلوب الحسن.
لما كان الإيمان والعمل والدعوة إلى الحق لا تقوم إلا بالصبر، ختم الله السورة بالتواصي به.
الصبر في اللغة هو الحبس والمنع. وفي الشرع: حبس النفس على طاعة الله، وحبسها عن معصيته، وحبسها عن التسخط على أقداره المؤلمة.
وذلك بالمداومة على الطاعات، وتحمل ما قد يصاحبها من مشقة، كالمحافظة على الصلاة، وطلب العلم، وبر الوالدين، والدعوة إلى الله.
قال تعالى:
﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ﴾
[مريم: 65].
وهو أن يمنع العبد نفسه عما حرم الله، ولو مالت إليه نفسه أو سهلت أسبابه.
وقد قال يوسف عليه السلام:
﴿مَعَاذَ اللَّهِ﴾
[يوسف: 23].
فالصبر عن المعصية يحتاج إلى إيمان ومراقبة لله، ولا سيما عند الخلوة ووجود دواعي الفتنة.
ويكون بحبس اللسان عن الاعتراض، والقلب عن التسخط، والجوارح عن الأفعال المحرمة.
قال تعالى:
﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾
[البقرة: 155-156].
يحتاج الداعي إلى الصبر على:
قال تعالى لنبيه ﷺ:
﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾
[الأحقاف: 35].
وقال لقمان لابنه:
﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ﴾
[لقمان: 17].
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:«لا بد للإنسان من ثلاثة أشياء: أن يأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر، ويصبر على ما يصيبه».
جمع الله بين الحق والصبر؛ لأن الحق ثقيل على النفوس المخالفة، والدعوة إليه تعرض صاحبها للأذى.
فالحق بلا صبر قد يتركه صاحبه عند أول فتنة، والصبر بلا حق قد يكون صبرًا على بدعة أو معصية. فلا بد من معرفة الحق، والعمل به، والثبات عليه.
جمعت السورة أربع مراتب متكاملة:
| المرتبة | دليلها من السورة | معناها |
|---|---|---|
| العلم والإيمان | ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ | معرفة الحق واعتقاده والانقياد له |
| العمل | ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ | تطبيق ما تعلمه العبد بإخلاص ومتابعة |
| الدعوة | ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ﴾ | تعليم الحق ونشره والنصيحة به |
| الصبر | ﴿وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ | الثبات على العلم والعمل والدعوة |
وهذه المراتب هي التي ذكرها الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله في مقدمة «الأصول الثلاثة»؛ فاستدل بسورة العصر على وجوب تعلم العلم، والعمل به، والدعوة إليه، والصبر على الأذى فيه.
تدل السورة على أن مجرد دعوى الإيمان لا تكفي، بل لا بد من العمل الصالح. فالإيمان الذي لا يظهر له أثر على الجوارح إيمان ناقص، وأما زوال جنس عمل الجوارح مع القدرة والتمكن فليس هو إيمان السلف الذي دل عليه الكتاب والسنة.
تدل السورة على أن طريق النجاة هو الإيمان الصحيح والعمل الصالح الموافق للسنة، لا الأذواق والمنامات والبدع والأوراد المخترعة.
فكل عبادة لم يشرعها الله ورسوله ﷺ فهي مردودة، مهما استحسنها أصحابها.
قوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ يدل على أن النجاة مرتبطة بالإيمان الذي جاء به محمد ﷺ، فلا يكون من سمع برسالته ثم رفضها مؤمنًا ناجيًا.
قال النبي ﷺ: «وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَا يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ، يَهُودِيٌّ وَلَا نَصْرَانِيٌّ، ثُمَّ يَمُوتُ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ، إِلَّا كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ».
رواه مسلم.
العمل لا يسمى صالحًا لمجرد حسن قصد صاحبه، بل لا بد أن يكون موافقًا لسنة النبي ﷺ. فحسن النية لا يصحح العمل المبتدع.
قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه:«وكم من مريد للخير لن يصيبه».
رواه الدارمي.
قوله تعالى: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ﴾ لا يبيح للجاهل أن يتكلم في دين الله بما لا يعلم؛ لأن معرفة الحق مقدمة على الدعوة إليه.
قال تعالى:
﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾
[الإسراء: 36].
وقال سبحانه:
﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾
[الأعراف: 33].
فمن تصدر للفتوى أو التفسير أو الحكم على الناس بغير علم فقد عرض نفسه للإثم وأضل غيره.
اشتملت سورة العصر على منهج حياة كامل:
قال الشيخ السعدي رحمه الله: «فبالأمرين الأولين يكمل الإنسان نفسه، وبالأمرين الأخيرين يكمل غيره، وبتكميل الأمور الأربعة يكون الإنسان قد سلم من الخسار، وفاز بالربح العظيم».
فالإنسان الذي تعلم ولم يعمل ناقص، والذي عمل ولم يدع غيره فاته كمال عظيم، والذي دعا ولم يصبر انقطع عن الطريق، والذي تكلم بغير علم لم يكن متواصيًا بالحق، بل قد يكون داعيًا إلى الباطل وهو لا يشعر.
سورة العصر، مع قصرها، وضعت للإنسان ميزانًا دقيقًا يحاسب به نفسه:
فكل لحظة تمر تقرب الإنسان من أجله، والسعيد من جعل أيامه مراحل إلى رضوان الله، والشقي من أضاع عمره ثم ندم حين لا ينفع الندم.
نسأل الله تعالى أن يجعلنا من الذين آمنوا وعملوا الصالحات، وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر، وأن يرزقنا العلم النافع والعمل الصالح والإخلاص والثبات على السنة، وأن يحفظ أوقاتنا من الضياع، ويختم لنا بالتوحيد والإيمان.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
كتبه الشيخ الدكتور أبو إسلام سليم بن علي حسان بليدي حفظه الله تعالى