الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد ﷺ. إنَّ التفقه في الدين من أعظم أسباب الخير، قال النبي ﷺ: «من يُرِدِ اللهُ به خيرًا يُفَقِّهْهُ في الدِّين» متفق عليه. فبالعلم يعرف العبد ربَّه، ويُميّز بين الحق والباطل، والسنة والبدعة. والعلم في الإسلام يسبق العمل، ولا يُقبل عملٌ إلا إذا كان مبنيًا على علمٍ صحيح. فاحرص على تعلّم دينك، واعبدِ الله على بصيرة، فإن العلم النافع طريقُ النجاة

المزيد
الأمر والنهي في الكتاب والسنة: دلالاتهما وأثرهما في فهم الأحكام الشرعية

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن اتبع هداه، أما بعد:

فإن فهم الأحكام الشرعية يحتاج إلى معرفة الأدلة، ومعرفة دلالاتها؛ إذ قد يثبت النص، ثم يقع الخطأ في فهم المراد منه. ومن أهم مباحث أصول الفقه باب الأمر والنهي؛ لأن كثيرًا من أحكام العبادات والمعاملات والآداب ورد بطلب فعلٍ أو طلب تركٍ.

ولهذا لا يكفي أن يرى القارئ صيغة أمر فيحكم على كل موضع بالوجوب دون نظر، ولا أن يرى نهيًا فيصرفه إلى الكراهة بلا دليل؛ بل يجمع النصوص، ويتأمل السياق، ويعرف القرائن المؤثرة في الحكم.

أولًا: معنى الأمر والنهي وصيغهما

الأمر في الاصطلاح الأصولي: طلب الفعل على وجه الاستعلاء، أي باعتبار سلطة الآمر، ولا يُراد بذلك التكبر المذموم.

ومن صيغه فعل الأمر، كقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣]، والمضارع المقترن بلام الأمر، كقوله سبحانه: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ﴾ [الطلاق: ٧].

وقد يُستفاد الإلزام من غير صيغة الأمر المباشرة، كقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة: ١٨٣].

وأما النهي فهو طلب الكف عن الفعل على وجه الاستعلاء. ومن أوضح صيغه المضارع المسبوق بـ«لا» الناهية، كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا﴾ [الإسراء: ٣٢].

وقد يُعرف التحريم أيضًا بالتصريح به، أو بترتيب وعيد على الفعل، وليس بمجرد وجود صيغة «لا تفعل».

ثانيًا: الأصل في الأمر الوجوب

الأصل عند جمهور الأصوليين أن الأمر الشرعي المجرّد عن القرينة يدل على الوجوب.

ومن أدلة ذلك قوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣]. فترتيب الوعيد على مخالفة أمر الرسول ﷺ يدل على لزوم امتثاله.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «لولا أن أشق على أمتي أو على الناس لأمرتهم بالسواك مع كل صلاة».

أخرجه البخاري (٨٨٧)، ومسلم (٢٥٢) بنحوه. وقد استدل أهل العلم بهذا الحديث على دلالة الأمر على الإلزام؛ لأن السواك مستحب، والأمر الذي امتنع عنه خشية المشقة هو أمر الإيجاب.

وعليه، فلا يصح صرف أمر ثابت إلى الاستحباب لمجرد أن العمل شاق، أو أن بعض الناس لا يفعله؛ وإنما يحتاج ذلك إلى دليل.

ثالثًا: قد يخرج الأمر عن الوجوب لقرينة

لا تُفهم صيغ الأوامر بمعزل عن سياقها وسائر الأدلة. فقد تدل على الإباحة أو الإرشاد أو غيرهما بحسب القرائن.

ومن أمثلة الأمر الذي لا يدل على وجوب الفعل على كل فرد قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢]. فليس المقصود إلزام كل من تحلل من الإحرام بالصيد، وإنما الإذن فيه بعد منعه بسبب الإحرام.

وكذلك قوله سبحانه: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ١٠]؛ فلا يلزم كل مصلٍّ أن يخرج للتجارة بعد صلاة الجمعة، بل عاد الإذن بالانتشار وطلب الرزق بعد الانشغال بالصلاة.

والعبرة بالقرينة الصحيحة، لا بالرغبة في تخفيف الحكم أو تشديده.

رابعًا: الأمر والاستطاعة والوقت

عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «ما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به فافعلوا منه ما استطعتم».

أخرجه البخاري (٧٢٨٨)، ومسلم (١٣٣٧). وفيه ارتباط أداء المأمور بالاستطاعة، مع وجوب بذل ما يقدر عليه المكلَّف.

ومن تطبيقاته صلاة المريض؛ فعن عمران بن حصين رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «صلِّ قائمًا، فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جنب». أخرجه البخاري (١١١٧). فالعجز عن القيام لا يُسقط أصل الصلاة، وإنما يغيّر كيفية أدائها.

وأما دلالة الأمر المجرّد على الفور أو التراخي، وعلى التكرار، ففيها تفصيل وخلاف أصولي. فلا يُحكم بأن كل أمر يقتضي التكرار دائمًا، أو يجوز تأخيره دائمًا.

والعبادات المحددة بأوقات وأسباب تُتبع فيها أدلتها؛ فالصلاة تتكرر بتكرر أوقاتها، وصيام رمضان يتكرر بتكرر العام. قال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣].

خامسًا: الأصل في النهي التحريم

الأصل عند جمهور الأصوليين أن النهي الشرعي المجرّد عن القرينة يدل على التحريم.

قال الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧].

فالنهي عن الزنا، وأكل أموال الناس بالباطل، والاعتداء عليهم، لا يُحمل على مجرد الكراهة دون دليل. وقد قال سبحانه: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: ١٨٨].

وقد يُصرف نهي معيّن إلى الكراهة بقرينة معتبرة، لكن ذلك يحتاج إلى جمع الأدلة وفهمها، ولا يُبنى على الاستحسان الشخصي.

سادسًا: الفرق بين التحريم وفساد العمل

من المسائل الدقيقة: هل كل فعل محرّم يكون باطلًا؟

التحريم حكم يتعلق بجواز الفعل وإثم فاعله، وأما الصحة والفساد فيتعلقان بترتب الآثار الشرعية عليه. وبين البابين ارتباط، لكنهما ليسا متطابقين في كل مسألة.

فإذا عاد النهي إلى ذات العبادة أو العقد، أو إلى شرط معتبر فيه، كان ذلك موضع الاستدلال بالفساد عند القائلين بهذه القاعدة. أما إذا تعلق بأمر خارج، فقد يقع الإثم مع صحة أصل العمل، وفي تنزيل ذلك خلاف وتفصيل بين الفقهاء.

ولهذا لا يجوز الحكم ببطلان عبادة أو عقد لمجرد وجود معصية صاحبتْه، دون تحديد متعلق النهي والنظر في الأدلة الخاصة بالمسألة.

سابعًا: جمع النصوص ومعرفة الناسخ والمنسوخ

من الخطأ بناء الحكم على نص واحد مع إهمال نصوص أخرى تؤثر في معناه. فقد يأتي دليل يخصص العموم، أو يقيد الإطلاق، أو يبين أن حكمًا سابقًا قد نُسخ.

وعن بريدة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها». أخرجه مسلم (٩٧٧). ففيه بيان رفع النهي السابق عن أصل الزيارة، مع بقاء الحاجة إلى مراعاة الأدلة الأخرى المتعلقة بأحكامها وآدابها.

فلا يصح التمسك بالنهي الأول وإهمال النص المتأخر الذي رفعه، كما لا يُدّعى النسخ لمجرد توهم التعارض؛ بل لا بد من دليل ومعرفة الترتيب الزمني عند الحاجة إليه.

ثامنًا: أثر هذه القواعد في الفقه والفتوى

تُعين قواعد الأمر والنهي على التمييز بين الواجب والمستحب، وبين الحرام والمكروه، وعلى فهم أثر المخالفة في صحة العمل.

ومن أسباب اختلاف الفقهاء اختلافهم في ثبوت الحديث، أو في دلالة صيغة الأمر والنهي، أو في وجود قرينة تصرفها عن الأصل. فلا يُنسب كل خلاف إلى مخالفة الدليل؛ فقد يكون الخلاف في فهمه أو في الجمع بينه وبين غيره.

لكن معرفة عبارات أصولية مختصرة لا تكفي للتصدر للفتوى. فتنزيل الأحكام يحتاج إلى علم بالنصوص، ولسان العرب، وأقوال أهل العلم، وواقع المسألة.

قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: ٣٦].

خاتمة

باب الأمر والنهي من مفاتيح فهم الشريعة: فالأصل في الأمر الوجوب، وفي النهي التحريم، مع مراعاة القرائن وجمع الأدلة ومعرفة ما يؤثر في الحكم.

وبذلك يستقيم الفهم والامتثال، فلا تُهوَّن الواجبات بغير حجة، ولا تُحرَّم المباحات بغير دليل، ولا يُحكم بصحة الأعمال أو فسادها دون تحقيق.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

كتبه فضيلة الشيخ الدكتور أبو إسلام سليم بن علي حسان بليدي، حفظه الله تعالى.