كان الشيخ العلّامة ربيع بن هادي بن محمد عمير المدخلي رحمه الله من علماء الحديث الذين أمضوا حياتهم في طلب العلم وتعليمه، والدعوة إلى توحيد الله واتباع سنة نبيه ﷺ على فهم السلف الصالح. وعُرف بعنايته بالعقيدة وعلوم السنة، وبمؤلفاته في نقد الكتب والأفكار والجماعات التي رأى مخالفتها لمنهج أهل السنة والجماعة.
وُلد الشيخ سنة ١٣٥١هـ في قرية الجرادية، قرب مدينة صامطة بمنطقة جازان في جنوب المملكة العربية السعودية. وتوفي والده بعد ولادته وهو لا يزال صغيرًا، فنشأ في رعاية أمه، التي حرصت على تربيته على الصلاة والصدق والأمانة، مع رعاية عمّه له.
بدأ تعلّم القراءة والكتابة في حلق التعليم بقريته، وقرأ القرآن، وتلقى مبادئ التوحيد والتجويد. ثم انتقل إلى الدراسة في صامطة، حيث اتسعت معارفه، وظهرت رغبته في ملازمة العلماء والاستفادة منهم.
التحق الشيخ بالمعهد العلمي في صامطة، ودرس علوم الشريعة واللغة العربية على عدد من العلماء، منهم الشيخ حافظ بن أحمد الحكمي، والشيخ أحمد بن يحيى النجمي، والشيخ محمد أمان الجامي. وتخرّج من المعهد سنة ١٣٨٠هـ.
ثم انتقل إلى المدينة المنورة، والتحق بكلية الشريعة في الجامعة الإسلامية، وتخرّج منها سنة ١٣٨٤هـ. واستفاد خلال دراسته من علماء، منهم الشيخ عبد العزيز بن باز، والشيخ محمد ناصر الدين الألباني، والشيخ عبد المحسن العباد، والشيخ محمد الأمين الشنقيطي. وقد جمع في طلبه للعلم بين دراسة العقيدة والفقه والتفسير وأصول الفقه، مع اهتمام خاص بالحديث النبوي وعلومه.
وواصل الشيخ دراساته العليا، فنال الماجستير في الحديث برسالته «بين الإمامين مسلم والدارقطني»، ثم نال الدكتوراه بتحقيق كتاب «النكت على كتاب ابن الصلاح» للحافظ ابن حجر. وبعد ذلك عمل في تدريس الحديث وعلومه بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، وتولى رئاسة قسم السنة في الدراسات العليا أكثر من مرة.
لم يقتصر نشاط الشيخ ربيع رحمه الله على التدريس الجامعي؛ فقد كانت له دروس ومحاضرات وكتابات موجهة إلى طلاب العلم وعموم المسلمين. وتناول في مؤلفاته موضوعات الحديث والعقيدة والدعوة والنقد العلمي. ومن كتبه «منهج الأنبياء في الدعوة إلى الله فيه الحكمة والعقل»، و**«منهج أهل السنة في نقد الرجال والكتب والطوائف»، و«مكانة أهل الحديث»**.
وكان يرى أن من واجب طالب العلم تعظيم النصوص الشرعية، والرجوع إلى فهم الصحابة ومن سار على نهجهم، وأن تُعرض الأقوال والمناهج على الدليل. كما اعتنى بالرد على ما يراه من أخطاء في الكتب المعاصرة، وجعل بيان تلك الأخطاء جزءًا ظاهرًا من عمله في الدعوة والتأليف.
دعا الشيخ ربيع إلى إفراد الله بالعبادة، وإلى اتباع رسول الله ﷺ، ولزوم عقيدة أهل السنة والجماعة. وكان يؤكد أهمية تعلّم الدين من مصادره، والتمييز بين السنة والبدعة، والحذر من التعصب للأشخاص والجماعات.
واحتلّ نقد الرجال والكتب والطوائف مكانة بارزة في كتاباته. وقد شرح في مؤلفه الذي يحمل هذا الاسم وجهة نظره في مشروعية بيان الأخطاء والتحذير منها، واستعمل في ردوده النقل من كتب من يناقشهم، ثم علّق عليها وفق ما يراه موافقًا للكتاب والسنة ومنهج السلف.
كتب الشيخ ربيع في نقد منهج جماعة الإخوان المسلمين، ورأى أن ب أصولها ومواقفها الدعوية والسياسية لا توافق المنهج السلفي الذي دعا إليه. وناقش في مقالاته وكتبه علاقة العمل الحركي بالعقيدة، وموقف الجماعة من بعض الفرق، وطريقة التعامل مع المخالفات العقدية والمنهجية.
ومن كتاباته في هذا الباب مقال «حقيقة دعوة الإخوان المسلمين»، الذي عرض فيه نصوصًا ومواقف منسوبة إلى الجماعة وناقشها نقدًا.
كان الشيخ ربيع من أبرز العلماء الذين حذّروا من أخطاء رأوها في كتب سيد قطب، وخصّ عقيدته وفكره ببحوث وردود مفصّلة. ومن أشهر مؤلفاته في ذلك «أضواء إسلامية على عقيدة سيد قطب وفكره»، و**«العواصم مما في كتب سيد قطب من القواصم»، و«نظرة سيد قطب إلى أصحاب رسول الله ﷺ موثقة بالصور من كتب سيد قطب»**.
وناقش الشيخ في هذه الكتب ما عدّه مخالفات عقدية خطيرة في كلام سيد قطب، وما رآه من عبارات لا تليق بمقام بعض الأنبياء عليهم السلام، ومن كلام في عدد من الصحابة رضي الله عنهم. وكان ينقل العبارات من مواضعها في الكتب ثم يرد عليها، مؤكدًا أن حرمة الأنبياء ومكانة الصحابة وأصول الاعتقاد لا يجوز التساهل فيها. وقد تناول، من جملة ما تناول، تصوير سيد قطب لشخصية موسى عليه السلام، وبعض عباراته المتعلقة بالصحابة. وهذه المسائل مبسوطة في مؤلفات الشيخ لمن أراد مراجعة النصوص والأدلة التي اعتمدها.
ولم يقصد الشيخ، بحسب ما يظهر من موضوعات ردوده، مجرد الاختلاف مع كاتب معاصر؛ بل رأى أن انتشار تلك الكتب بين الشباب يقتضي بيان ما اعتقد أنه أخطاء في العقيدة والمنهج. ولذلك ارتبط هذا الباب من مؤلفاته بدعوته الأوسع إلى تحكيم الكتاب والسنة، وتعظيم الأنبياء والصحابة، ووزن أقوال الرجال بالدليل.
الثناءات الآتية منقولة من رسالة الشيخ الدكتور أبي إسلام سليم بن علي حسان بليدي، بعنوان: «الثناء العاطر البديع من العلماء الربانيين على حامل لواء الجرح والتعديل الشيخ ربيع».
أثنى الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله على الشيخ ربيع، ووصفه بأنه من أهل السنة، معروف بالعلم والفضل والعقيدة الصالحة، وأوصى بالاستفادة من كتبه. كما أثنى على محاضرته في التمسك بالكتاب والسنة والحذر من التفرق والتعصب.
وأثنى الشيخ محمد ناصر الدين الألباني رحمه الله على علمه وكتاباته، ووصفه بأنه حامل راية الجرح والتعديل في عصره. وقد أثنى كذلك على ردوده على ما رآه من أخطاء في كتب سيد قطب.
وقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله، في جواب عن الشيخ ربيع، إنه لا يعلم عنه إلا خيرًا، ووصفه بأنه «صاحب سنة وصاحب حديث»، وأثنى على عنايته بالتوحيد وسلوكه طريق السلف.
وقدّم الشيخ صالح بن فوزان الفوزان لكتاب الشيخ ربيع «منهج الأنبياء في الدعوة إلى الله فيه الحكمة والعقل»، وأثنى على بيانه منهج الرسل في الدعوة ومناقشته للمناهج المخالفة. وأثنى أيضًا على رده في كتاب «جماعة واحدة لا جماعات وصراط واحد لا عشرات».
وأوصى الشيخ مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله بالاستفادة من الشيخ ربيع والأخذ عنه، وذكره ضمن العلماء الذين ينصح طلاب العلم بمراسلتهم والرحلة إليهم. كما أثنى على جهوده في الرد والبيان.
ووصفه الشيخ محمد بن عبد الله السبيل رحمه الله بأنه من العلماء المعروفين، وذكر تمكّنه في علوم السنة وجهوده في الدعوة والدفاع عن العقيدة. وأثنى عليه كذلك الشيخ أحمد بن يحيى النجمي رحمه الله، وهو من شيوخه، والشيخ زيد بن محمد المدخلي رحمه الله، الذي نوّه بمؤلفاته وانتفاع طلاب العلم بها.
توفي الشيخ ربيع بن هادي المدخلي رحمه الله في المدينة المنورة يوم ١٤ محرّم ١٤٤٧هـ، الموافق ٩ يوليو ٢٠٢٥م، بعد حياة طويلة قضاها في طلب العلم وتعليمه والتأليف والدعوة. وبقيت دروسه وكتبه ورسائله شاهدة على عنايته بالحديث والسنة، ومصدرًا لدراسة آرائه ومواقفه العلمية.
رحم الله الشيخ ربيع بن هادي المدخلي رحمة واسعة، وغفر له، ورفع درجته، وجزاه خيرًا على ما قدّم من علم وتعليم، ووفقنا لاتباع الحق ولزوم الكتاب والسنة.
كتبه الشيخ أبو إسلام سليم بن علي حسان بليدي حفظه الله تعالى