الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد ﷺ. إنَّ التفقه في الدين من أعظم أسباب الخير، قال النبي ﷺ: «من يُرِدِ اللهُ به خيرًا يُفَقِّهْهُ في الدِّين» متفق عليه. فبالعلم يعرف العبد ربَّه، ويُميّز بين الحق والباطل، والسنة والبدعة. والعلم في الإسلام يسبق العمل، ولا يُقبل عملٌ إلا إذا كان مبنيًا على علمٍ صحيح. فاحرص على تعلّم دينك، واعبدِ الله على بصيرة، فإن العلم النافع طريقُ النجاة

المزيد
المنهج السلفي والتسمّي بالسلفي

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

إن من أعظم نعم الله على العبد أن يهديه إلى الحق، ويرزقه التمسّك بكتابه وسنة نبيه ﷺ، والاقتداء بالسلف الصالح في العلم والإيمان والعمل. فالمنهج السلفي يقوم على اتباع الكتاب والسنة بفهم سلف الأمة، وفي مقدمتهم الصحابة رضي الله عنهم، ثم التابعون وتابعوهم بإحسان.

وهذا الاتباع يحتاج إلى علم بما ثبت عنهم، وفهم لطريقتهم في الاستدلال والعمل، واجتهاد في تحقيق ذلك في الاعتقاد والعبادة والأخلاق والمعاملات.

الكتاب والسنة أصل الهداية

القرآن الكريم والسنة الصحيحة هما المرجع في دين الله؛ إليهما تُردّ الأقوال، وعلى هديهما تُوزن الأعمال. قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [النساء: ٥٩].

ومن مقتضى هذا الأصل تعظيم النصوص، والتثبّت من صحة الأحاديث، وجمع الأدلة المتعلقة بالمسألة، وفهمها في سياقها، والاستعانة بكلام أهل العلم. فلا يُقدَّم الهوى على الدليل، ولا يُجعل قول أحد من الناس معصومًا من الخطأ.

لماذا نعتني بفهم الصحابة؟

للصحابة رضي الله عنهم منزلة عظيمة؛ فقد صحبوا رسول الله ﷺ، وشهدوا تنزيل القرآن، وتعلّموا منه بيان الدين، ونقلوا إلى الأمة كتاب ربها وسنة نبيها. ولذلك كان فهمهم أصلًا مهمًّا في معرفة معاني النصوص وكيفية العمل بها.

قال الله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة: ١٠٠].

وفي قوله سبحانه: ﴿بِإِحْسَانٍ﴾ تنبيه إلى أن الانتساب يحتاج إلى موافقة واتباع. فمن أراد الاقتداء بهم اعتنى بمعرفة اعتقادهم وعبادتهم، وتعلّم من صدقهم وصبرهم وتواضعهم وعدلهم.

وقد نقل شيخ الإسلام ابن تيمية عن الإمام أحمد رحمهما الله قوله: «أصول السنة عندنا التمسك بما كان عليه أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم». وهذا يبيّن مكانة طريق الصحابة في تقرير أصول السنة

الاقتداء بطريق العلم والإيمان

الاقتداء بالسلف الصالح يشمل طلب العلم والعمل به. فطالب العلم يتعلّم ليعبد الله على بصيرة، ويصلح نفسه، وينفع الناس، ويعرف الحق بدليله.

ومن لوازم هذا الطريق الإخلاص لله، والتدرّج في التعلّم، والأخذ عن أهل العلم، وقبول التصحيح، وعدم التصدّر قبل التأهّل. ومن لوازمه أيضًا العناية بالسنة في السلوك؛ بالصدق والأمانة والرحمة وأداء الحقوق.

فالالتزام بالمنهج يظهر في طريقة الاستدلال، كما يظهر في طريقة التعامل مع الناس. ويحتاج صاحبه إلى محاسبة نفسه باستمرار، والرجوع عن الخطأ حين يتبيّن له.

قول المسلم: «أنا سلفي»

قول المسلم: «أنا سلفي» يُراد به الانتساب إلى السلف الصالح في فهم الدين والعمل به. فإذا كان صادقًا في هذا المعنى، فإن هذه النسبة تبيّن طريقه ومنهجه، وقد قرّر عدد من العلماء مشروعيتها ودافعوا عنها.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: «لا عيب على من أظهر مذهب السلف وانتسب إليه واعتزى إليه، بل يجب قبول ذلك منه بالاتفاق»، مجموع الفتاوى (٤/١٤٩). وقد بيّن في سياق كلامه أن الناس يُعاملون بما يظهر منهم، وتُوكَل سرائرهم إلى الله.

وسُئل الشيخ مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله عن قول المسلم: «أنا سلفي»، فقال: «فلا بأس أن يقول: أنا سلفي». وفسّر هذا الانتساب بأنه اتباع السلف الصالح، وبيّن أنه لا يكون بمجرده تحزّبًا، وأن هذه النسبة قديمة، 

وبيّن الشيخ الألباني رحمه الله أهمية الانتساب إلى السلف في توضيح المنهج، وناقش الاعتراض على التسمّي بالسلفية. وذكر أن من وافق طريق السلف، مع استعمال اسم «أهل السنة»، قد يكون خلافه في الاسم مع اتفاقه على المعنى.

فلا حرج على المسلم أن يصرّح بهذا الانتساب، وأن يقول: «أنا مسلم سلفي، أتبع الكتاب والسنة على فهم السلف الصالح»، مع حرصه على تحقيق معنى هذه العبارة في علمه وعمله.

الاعتزاز بالاتباع والصدق في الانتساب

الاعتزاز باتباع السلف الصالح اعتزاز بطريق العلم والإيمان، وشكر لله على الهداية. وينبغي أن يصحبه تواضع، وشعور بالحاجة إلى مزيد من العلم والاستقامة؛ فالمنتسب إلى المنهج قد يصيب وقد يخطئ، وعليه أن يراجع نفسه على ضوء الأدلة.

والواجب هو اتباع الحق والتمسّك بالوحي. 

ومن صدق في انتسابه إلى السلف اجتهد في معرفة طريقهم، ولزمه، ودعا إليه بعلم وحكمة، واحترم أهل العلم، وقبل الحق ممن جاء به، واجتنب الظلم والتعصّب. وهكذا يجتمع وضوح المنهج مع حسن الخلق، والاعتزاز بالاتباع مع التواضع لله.

نسأل الله أن يرزقنا الإخلاص والاتباع، وأن يجعلنا من المتبعين للسلف الصالح بإحسان، وأن يعصمنا من الهوى والتعصّب والظلم. وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

كتبه الشيخ الدكتور أبو إسلام سليم بن علي حسان بليدي