أما بعد:
فهذه رسالة نصح وتحذير إلى من نصبوا أنفسهم دعاةً وأئمةً ومفتين، في المساجد أو عبر وسائل التواصل الاجتماعي، من غير رسوخ في العلم، ولا دراسة متينة، ولا تزكية معتبرة من أهل العلم المعروفين بالاستقامة على الكتاب والسنة ومنهج السلف الصالح.
إن الدعوة إلى الله، وتعليم الناس، وإمامة المساجد، والخطابة، والفتوى، وتفسير القرآن، وشرح السنة ليست ميادين للشهرة أو جمع المتابعين، ولا وظائف ينالها الإنسان بحسن صوته أو فصاحة عبارته أو كثرة ظهوره؛ بل هي أمانة عظيمة ومسؤولية خطيرة، سيسأل صاحبها يوم القيامة عن كل كلمة قالها في دين الله.
قال الله تعالى:
﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾
[الأعراف: 33].
فجعل الله القول عليه بغير علم من أعظم المحرمات، وقرنه بالشرك والفواحش والبغي؛ لما يترتب عليه من إفساد العقائد والعبادات، وتحليل الحرام، وتحريم الحلال، وتضليل عامة المسلمين.
وقال سبحانه:
﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾
[الإسراء: 36].
ليس كل من قرأ بعض الكتب، أو حفظ بعض النصوص، أو تابع الدروس عبر الإنترنت، أو أتقن صناعة المقاطع القصيرة، أصبح عالمًا أو داعيةً مؤهلًا أو مرجعًا في النوازل والفتاوى.
وإنما يُعرف أهل العلم والتأهل بجملة من العلامات، من أهمها:
قال الإمام مالك رحمه الله:«ما أفتيت حتى شهد لي سبعون أني أهل لذلك».
وكان رحمه الله يقول:«ما ينبغي لرجل أن يرى نفسه أهلًا لشيء حتى يسأل من هو أعلم منه».
فهذا إمام دار الهجرة، مع سعة علمه وعظيم منزلته، لم يتصدر حتى شهد له أهل العلم بالتأهل؛ فكيف بمن لم يدرس أصول العلم، ولم يعرفه العلماء، ثم جعل نفسه إمامًا ومفتيًا ومرجعًا للمسلمين؟
المقصود بتزكية العلماء أن يشهد عالم معروف بالعلم والسنة والاستقامة بأن هذا الشخص قد درس وتأهل، وأنه مأمون في علمه ومنهجه، ويصلح لأن يؤخذ عنه في المجال الذي أتقنه.
وليست التزكية صورةً مع عالم، ولا حضور مجلس مرةً واحدة، ولا اتصالًا هاتفيًا، ولا ثناءً عامًا قيل على سبيل التشجيع أو المجاملة.
كما لا يجوز للإنسان أن يصنع لنفسه تزكية، أو يقتطع كلام العلماء، أو يوهم الناس بأنه من تلاميذهم، وهو لم يدرس عليهم دراسةً معتبرة.
والتزكية ليست عصمة لصاحبها، ولكنها قرينة مهمة تدل على معرفة العلماء بحاله ومسيرته العلمية، ولا سيما عندما يشتبه على عامة الناس من يصلح للأخذ عنه ممن لا يصلح.
قال محمد بن سيرين رحمه الله:«إن هذا العلم دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم».
رواه مسلم في مقدمة صحيحه.
وقال الإمام مالك رحمه الله: «لا يؤخذ العلم عن أربعة، ويؤخذ ممن سوى ذلك: لا يؤخذ من سفيه، ولا يؤخذ من صاحب هوى يدعو الناس إلى هواه، ولا من كذاب يكذب في أحاديث الناس، وإن كان لا يُتهم أن يكذب على رسول الله ﷺ، ولا من رجل له فضل وصلاح وعبادة إذا كان لا يعرف ما يحدث».
فمجرد الصلاح أو حسن القصد لا يكفي للتصدر؛ بل لا بد من العلم والضبط والفهم.
العلم الشرعي لا يؤخذ من الكتب وحدها، ولا من المقاطع المتفرقة، وإنما له أهله وطرقه ومراحله.
فمن أراد التأهل للتعليم والدعوة فعليه أن يجلس إلى العلماء، ويتعلم منهم:
وقد كان علماء السلف يرحلون المسافات البعيدة من أجل حديث واحد، ويلازمون شيوخهم سنوات طويلة، ولم يكونوا يتصدرون لمجرد قراءة كتاب أو حفظ متن.
قال عبد الله بن المبارك رحمه الله:«الإسناد من الدين، ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء».
وكما يُطلب الإسناد في رواية الحديث، فإن معرفة الشيوخ ومصادر التلقي من أعظم ما يكشف حقيقة المتصدر ومنهجه وتكوينه العلمي.
الشهادة الأكاديمية العليا في العلوم الشرعية ليست وحدها دليلًا قاطعًا على الرسوخ، كما أن عدمها لا يعني بالضرورة انعدام العلم؛ فقد وُجد من كبار العلماء من لم تكن عندهم شهادات جامعية بالمعنى المعاصر، ومع ذلك شهد لهم العلماء بالعلم والإمامة.
لكن الشهادة الأكاديمية الشرعية المعتبرة تبقى من القرائن المهمة على أن صاحبها مر بمراحل من الدراسة والبحث والمناقشة العلمية، ولا سيما إذا اجتمعت مع:
أما أن يقدم الإنسان نفسه بصفة «الشيخ» أو «الدكتور» أو «المفتي»، ولا يُعرف له تحصيل جامعي معتبر، ولا دراسة على العلماء، ولا تزكية، ولا بحوث، ولا مؤلفات، ولا آثار علمية؛ فهذا مما يوجب التثبت الشديد والتحذير من الاغترار بالألقاب.
والشهادة الأكاديمية لا تغني عن التلقي عن العلماء، كما أن التلقي التقليدي غير المنضبط لا يغني عن إتقان أدوات البحث والتحرير. والأكمل أن يجمع طالب العلم بين الدراسة الأكاديمية الجادة والتلقي المباشر عن العلماء المعروفين.
من علامات الباحث المتأهل أن تكون له آثار علمية يمكن دراستها وتقويمها؛ كالكتب والبحوث والتحقيقات والدروس المنظمة.
فالكتابة العلمية تظهر:
أما من يكثر الكلام ولا يُعرف له بحث محرر، ولا شرح متقن، ولا دراسة علمية، ولا يستطيع إقامة الدليل على ما يقول، فلا ينبغي أن يُجعل مرجعًا للناس لمجرد شهرته أو كثرة متابعيه.
لقد أصبحت وسائل التواصل ترفع أشخاصًا في أيام معدودة، فيظن العامة أن كثرة المتابعين دليل على العلم. وقد يكون الشخص مشهورًا بسبب طريقة كلامه أو قدرته على إثارة الجدل، وهو ضعيف في العلم والتأصيل.
عدد المشاهدات ليس سندًا علميًا، وكثرة الإعجابات ليست تزكية، وانتشار المقاطع لا يحول الجاهل إلى عالم.
قال الله تعالى:
﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾
[الزمر: 9].
وقال سبحانه:
﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾
[النحل: 43].
فأمر الله بسؤال أهل الذكر والعلم، لا سؤال كل مشهور أو متكلم أو مؤثر في وسائل التواصل.
إمامة المسجد لا تقتصر على التقدم في الصلاة؛ فالإمام قد يسأله الناس عن العقيدة والعبادات والزواج والطلاق والمعاملات والمواريث والنوازل، وقد يثقون بكلامه لمجرد وقوفه على المنبر.
فإذا كان غير مؤهل، أفتى بغير علم، وربما:
ولهذا يجب على إدارات المساجد والجمعيات الإسلامية ألا تقدم للإمامة والخطابة والتعليم إلا من ثبت علمه وأمانته واستقامته، مع التحقق من شهاداته وتزكياته ودراسته وسيرته.
تشتد الحاجة إلى التأهل العلمي في فرنسا؛ لأن المسلمين يعيشون في واقع تتداخل فيه مسائل العقيدة والفقه والأسرة والقوانين والعلاقات الاجتماعية، ويواجه أبناؤهم شبهات الإلحاد والتنصير والعلمنة والانحلال والغلو والتطرف.
كما يحتاج المسلمون فيها إلى من:
فخطأ المتصدر في هذا الواقع لا يضر شخصًا واحدًا، بل قد يسيء إلى مسجد كامل، أو يفرق أسرة، أو يضل شبابًا، أو يشوه صورة الإسلام أمام المجتمع.
ولهذا ينبغي للمراكز والمساجد في فرنسا أن تعتمد معايير واضحة عند اختيار الأئمة والدعاة والمدرسين، وأن تطلب منهم ما يثبت:
نقول لكل من تصدر ولم يتأهل: اتق الله في نفسك وفي المسلمين. لا تجعل دين الله طريقًا إلى الشهرة والمال والمنصب. ولا تتكلم في كل مسألة، ولا تجب عن كل سؤال.
قولك: «لا أعلم» لا ينقص من قدرك، بل يدل على ورعك وعقلك.
قال عبد الرحمن بن مهدي رحمه الله:«كنا عند مالك بن أنس، فجاءه رجل فقال: يا أبا عبد الله، جئتك من مسيرة ستة أشهر، حملني أهل بلدي مسألةً أسألك عنها. فقال: سل. فسأله الرجل عن المسألة، فقال مالك: لا أحسنها. فقال الرجل: فماذا أقول لأهل بلدي إذا رجعت إليهم؟ قال: تقول لهم: قال مالك: لا أحسن».
وكان ابن عمر رضي الله عنهما يقول:«العلم ثلاثة: كتاب ناطق، وسنة ماضية، ولا أدري».
فإذا كان الأئمة الكبار يقولون: «لا أعلم»، فكيف يستحي منها من لم يبلغ جزءًا يسيرًا من علمهم؟
كما أن المتصدر مسؤول عن كلامه، فإن المستمع مسؤول عمن يأخذ عنه دينه.
فلا تسألوا في دينكم كل من ظهر على الشاشة، ولا كل من لبس لباس العلماء، ولا كل من لقب نفسه بالشيخ أو الدكتور.
اسألوا عنه:
فدين الإنسان أعظم من أن يأخذه عن مجهول.
إن من حق المساجد والمسلمين أن يتولى تعليمهم ودعوتهم أناس عرفوا بالعلم والاستقامة والأمانة، وجمعوا بين التأصيل الشرعي والتلقي عن العلماء، واستفادوا من الدراسة الأكاديمية الجادة، وشهد لهم أهل العلم بالتأهل، وكانت لهم بحوث ومؤلفات وآثار علمية معروفة.
أما التصدر بغير علم، وصناعة المكانة بالألقاب والمظاهر ووسائل التواصل، فهو خطر على الدين وعلى المسلمين، ولا سيما في فرنسا حيث الحاجة شديدة إلى أئمة ودعاة راسخين يجمعون بين صحة العقيدة، والعلم الشرعي، والحكمة، ومعرفة الواقع.
فليتق الله كل من تكلم في دينه، وليعلم أنه موقوف بين يدي الله، مسؤول عن قوله وفتواه وتعليمه.
قال تعالى:
﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ﴾
[الصافات: 24].
ونسأل الله أن يرزق المسلمين علماء ربانيين ودعاة صادقين وأئمة مهتدين، وأن يحفظ المساجد والمنابر من الجهال وأهل الأهواء والمتعالمين، وأن يوفقنا للعلم النافع والعمل الصالح والإخلاص في القول والعمل.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
كتبه: الشيخ الدكتور أبو إسلام سليم بن علي حسان بليدي
حفظه الله تعالى